تقف شامخة بمنطقة الزياتن، يعلوها اسم “اقرأ” بخط عريض، في إعلان عن قدسية الكلمة وعظمة فعل القراءة. غير أن هذا الشموخ، في حقيقة الأمر، شموخ فارغ… فالحياة منقطعة خلف تلك الجدران، والأبواب مغلقة منذ سنوات طويلة. هكذا تقف مكتبة “اقرأ” الكبرى تنتظر من يفتحها للعموم.
تحولت المكتبة، بدل أن تكون منارة للمعرفة، إلى مجرد علامة مرجعية في جغرافية المدينة: “نلتقي أمام اقرأ بعد نصف ساعة”، هكذا يقول الكثير من الطنجاويين، وكأن مشروعا ثقافيا ضخما ابتُلعت فيه الملايين لم يُخلق إلا ليكون نقطة التقاء عابرة.
مكتبة كان ينتظر منها الفاعلون الثقافيون أن تجعل من طنجة قطبا ثقافيا وواجهة للقراءة بالأخص وأن المغرب يخطو خطوات رائدة في دعم القراءة وهذا يظهر جليا في إطلاق المشروع الوطني للقراءة وأيضا دعم فعاليات تحدي القراءة العربي، لكن ” اقرأ الكبرى بطنجة” أصبحت اليوم موضوع سخرية بين السكان، تُتداول حولها النكات أكثر مما تُتداول داخلها الكتب. والسؤال الذي ظل معلقا منذ سنوات: متى تفتح “اقرأ” أبوابها فعلا… ومتى تقرأ طنجة في مكتبتها الكبرى؟
بالعودة إلى رؤية هذا المشروع الذي يأتي ضمن المشروع الأكبر؛ مشروع “طنجة الكبرى”، فلقد جرى تقديمه باعتباره ثمرة إرادة ملكية لدمقرطة الوصول إلى الثقافة. مكتبة وسائطية حديثة، على مساحة 3340 مترا مربعا، ثمرة شراكة بين وزارتي الداخلية والثقافة، عمالة طنجة أصيلة والجماعة الحضرية.
مشروع ضخم يتضمن قاعة محاضرات بـ250 مقعدا، مكتبات للكبار والصغار وذوي الاحتياجات الخاصة، فضاءات للوسائط والمعارض، قاعات للعمل الجماعي، وحديقة أندلسية… أيقونة معمارية كان يُفترض أن تُعيد الاعتبار لفعل القراءة.
لكن الواقع الميداني، كما رصدته “طنجة+”، يكشف صورة مغايرة: المكتبة لا تزال مغلقة بالكامل. حتى رجل الأمن الخاص الذي كان يتكلف بحراسة المكان لم يعد حاضرا بانتظام، وحسب شهادات من جوار الفضاء “يظهر أحيانا فقط”.
الأسوأ أن البنية الخارجية بدأت تُظهر علامات تدهور مبكر؛ إذ تم اقتلاع بعض الصفائح المعدنية الخاصة بالإنارة، ما يعكس غياب المراقبة والإشراف.


وفي إطار أخذ انطباعات وشهادات الطلبة، الذين يُفترض أن يكونوا المستفيد الأول من هذا الفضاء، بالأخص لكونه يقع غير بعيد عن الحي الجامعي وكليات متعددة، استمعت “طنجة+” لآراء بعضهم.
حسام، طالب باحث في سلك الماستر، يقول إنه طرق باب المكتبة مرارا دون أي جدوى، معبرا عن خيبته: “لماذا مغلقة إلى الآن؟ لماذا بُنيت أصلا إن كانت ستبقى هكذا؟”
من جهتها، مريم، طالبة في سلك الإجازة، أكدت أنها زارت المكان قبل عام فأخبرها المارة بجوار المبنى آنذاك أن المكتبة ستفتح مع الدخول الجامعي 2024-2025، لكن ذلك لم يحدث.
وتقول: “كنت أترقب افتتاحها، خصوصا بعدما تابعت على مواقع التواصل أخبارا تتحدث عن قرب افتتاحها.. لكن الأمل ظل معلقا إلى الآن.”
وبالموازاة مع صوت الطلبة، تحدث مهتم بالمشهد الثقافي المحلي، إلى “طنجة+”، حيث اعتبر أن المكتبة “سُوقت بشكل مضخم” لأنها في الحقيقة “ليست كبرى كما يُروج لها، لا من حيث الخدمات ولا حتى من حيث غنى المراجع”. لكنه استدرك مؤكدا أن ذلك لا يُبرر بقاءها مغلقة إلى اليوم، خصوصا وهي على مقربة من كليات بوخالف ومؤسسات أخرى.
وأضاف: “كان الأجدر أن تحذو حذو قصر الثقافة والفنون، الذي فتح أبوابه قبل التدشين الرسمي، لأن خدمات مثل هذه الفضاءات لا تحتمل التأجيل.”
وشدد المتحدث ذاته، أن طنجة في حاجة ماسة لمزيد من الفضاءات المتخصصة في الثقافة والمعرفة، سواء مكتبات عامة أو متخصصة في مجالات كالمسرح والعلوم.
وعن انعكاس عدم افتتاح المكتبة، قال بلهجة ناقدة: “لا يوجد أثر سلبي لأنها ببساطة بلا حركة، مغلقة، والأثر صفر.
ويسترسل: “المشكل الحقيقي أن مشروعا بهذا الحجم بقي أسير الإغلاق بلا معنى.”، قبل أن يختم بشكل متفائل: “نأمل أن ترى النور مع الموسم الجامعي الجديد.”
وفي سياق البحث عن توضيحات رسمية، حاولت صحيفة “طنجة+” التواصل مع المديرة الجهوية للثقافة بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة، غير أن كل المحاولات باءت بالفشل. وبعد إصرار متكرر، جاء الرد الوحيد في رسالة جاء فيها:
“أنا خارج المغرب في رخصتي السنوية، ربما هو مشكل في التغطية لهذا لم أتوصل باتصالكم. إن لم يكن الأمر مستعجلا، أقترح استقبالكم في مكتبي بعد عودتي لكل الأسئلة والاستفسارات التي لديكم. وإن كان الأمر مستعجلا، أجيبكم مساء اليوم بمجرد التحاقي حيث أكون في تغطية ممتازة.”
ورغم إعادة محاولات الإتصال بعد ذلك، لم تحصل الصحيفة على جواب.
صحيفة “طنجة+” تلقت لاحقا اتصالا من موظف بالمديرية الجهوية للثقافة، أوضح فيه أن تواصله جاء بطلب مباشر من المديرة نفسها، مؤكّدا أن “المديرة الجهوية هي الجهة الوحيدة المخول لها تقديم الأجوبة والمعطيات الرسمية للصحافة”، داعيا إلى الانتظار إلى حين عودتها منتصف الشهر.
وعندما أكدت الصحيفة إلى أن الأمر ملح، خاصة ونحن على أبواب الدخول المدرسي والجامعي حيث تعود أهمية مثل هذا الفضاء إلى الواجهة، كان جوابه: “منتصف الشهر سيأتي مع الدخول المدرسي، وبالتالي ستحصلون على الإجابة.”
وهكذا تبقى الأسئلة بلا إجابات، مما يزيد الحيرة ويطرح أسئلة جديدة: هل يُعقل أن يظل مشروع ملكي ضخم، استُثمرت فيه 48 مليون درهم، معلقا بلا أي توضيح في انتظار عودة موظفة من عطلتها الخاصة؟ وهل يمكن لمكتبة كان من المفترض أن تكون منارة للمعرفة أن تتحول إلى شاهد على الإهمال في مدينة يُفترض أنها عاصمة الثقافة المتوسطية بالمغرب؟

