بقلم عبد السلام الصديقي// وزير أسبق وعضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية
أصبح الذكاء الاصطناعي يحتل مكانة مركزية في النقاش حول مستقبل الاقتصاد والعمل. غير أنهينبغي تجنب موقفين متطرفين: اعتباره حلاً سحرياً لمشكلات الإنتاجية والتنمية، أو النظر إليهباعتباره تهديداً حتمياً سيؤدي إلى اختفاء ملايين الوظائف. فكما حدث مع الموجات التكنولوجيةالسابقة، يعمل الذكاء الاصطناعي على تحويل الأنشطة الاقتصادية والمهنية، لكن آثاره تتوقف علىاختيارات المقاولات والمؤسسات والأنظمة التعليمية والسياسات العمومية.
السؤال الأساسي هو: كيف نجعل الذكاء الاصطناعي رافعة للتقدم الاقتصادي والاجتماعي، بدلأن يصبح عاملاً لتفاقم التفاوتات؟ سأعالج هذا الموضوع من خلال ثلاثة محاور: تأثيراته علىالاقتصاد والتشغيل، ومتطلبات التكوين وتنمية الكفاءات، ثم الرهانات الخاصة بالمغرب، في ضوءخارطة الطريق «المغرب AI 2030».
1. الذكاء الاصطناعي يحوّل المهام والمهن ويطرح مسألة توزيع المكاسب
تتمثل خصوصية الذكاء الاصطناعي التوليدي في قدرته على إنجاز مهام معرفية، مثل إنتاجالنصوص وتلخيصها، وتحليل المعطيات، والترجمة، والبرمجة والمساعدة على اتخاذ القرار. وبذلك لميعد تأثيره مقتصراً على المهام اليدوية المتكررة، بل امتد إلى أنشطة إدارية وفكرية ومهنية كانتتعتبر، إلى حد كبير، محمية من الأتمتة.
لكن ينبغي التمييز بين أتمتة مهمة معينة واختفاء مهنة بأكملها. فكل مهنة تتكون من مجموعة منالمهام، بعضها قابل للأتمتة، بينما يتطلب بعضها الآخر الحكم البشري والإبداع والتواصل وتحملالمسؤولية. لذلك، فإن التحول الأكثر احتمالاً في عدد كبير من الحالات هو تغيير مضمون العمل، دون أن ينفي ذلك إمكانية اختفاء وظائف معينة وظهور مهن جديدة.
وتشير دراسات منظمة العمل الدولية الصادرة سنة 2025 إلى أن نحو وظيفة واحدة من كل أربعوظائف في العالم توجد ضمن مهن تتفاوت درجة تعرضها للذكاء الاصطناعي التوليدي. غير أنالتعرض المحتمل لا يعني بالضرورة فقدان الوظيفة.
أما الرهان الاقتصادي الأساسي فيتعلق بكيفية توزيع مكاسب الإنتاجية. فقد تؤدي هذه المكاسبإلى تحسين الأجور، أو خفض الأسعار، أو زيادة الأرباح، أو تمويل استثمارات جديدة. لكن لاشيء يضمن توزيعها بشكل تلقائي وعادل؛ إذ يتوقف ذلك على طبيعة المنافسة، والقدرة التفاوضيةللأجراء، واختيارات المقاولات والسياسات العمومية. فالتكنولوجيا وحدها لا تنتج العدالة الاجتماعية.
2. التكوين من جديد: الرأسمال البشري في قلب التحول
إذا كان الذكاء الاصطناعي يغير المهام والمهن، فإن التكوين يصبح شرطاً أساسياً للتكيف. ولاينبغي أن يقتصر التكوين في هذا المجال على المهندسين والمتخصصين، بل يجب أن يشملالمدرسين والموظفين والأطر والتقنيين وأجراء المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وكل من يحتاج إلى فهمهذه الأدوات واستعمالها.
وتظل الكفاءات الأساسية ذات أولوية: إتقان اللغات، والتفكير الرياضي، والثقافة العلمية، والتحليلوالنقد. فكلما أصبحت الأدوات قادرة على إنتاج أجوبة سريعة ومقنعة ظاهرياً، ازدادت أهميةالتحقق من المعلومات واكتشاف الأخطاء وفهم حدود النتائج.
كما تبرز ضرورة التكوين مدى الحياة. فلم يعد النموذج القائم على اكتساب مؤهل في بداية المسارالمهني واستعماله لعقود دون تغيير ملائماً للتحولات الحالية. ويتعين على أنظمة التعليم والتكوينالمهني توفير فرص منتظمة لتحيين المعارف وإعادة التأهيل المهني، مع تحمل المقاولات والسلطاتالعمومية مسؤولياتها في هذا المجال.
وتواجه المدرسة والجامعة بدورهما تحدياً جديداً. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد علىتخصيص التعلمات ودعم المدرسين، لكنه قد يشجع أيضاً على التخلي المفرط عن المجهود الفكري. لذلك، لا يتعلق الأمر بمنع هذه الأدوات أو اعتمادها دون تحفظ، بل بإدماجها تربوياً مع الحفاظعلى التفكير المستقل والقدرة على التحليل والحجاج.
ومن التحولات التي تستحق الانتباه أيضاً تقصّر مدة صلاحية بعض الكفاءات، بل وبعض المهن. فبعد أن كان بإمكان الفرد تعلم مهنة وممارستها طوال حياته النشيطة، أصبحت التحولاتالتكنولوجية تفرض التعلم المستمر والتطوير وإعادة التكوين مرات متعددة.
غير أن هذا التطور ليس إيجابياً في حد ذاته. فالتعلم مدى الحياة يكون مصدر غنى عندما يفتحآفاقاً جديدة، لكنه يتحول إلى عبء عندما يجد الفرد نفسه مضطراً إلى ملاحقة تغيرات تكنولوجيةمتواصلة. لذلك لا يمكن تحميل الأجراء وحدهم مسؤولية التكيف؛ بل ينبغي أن يصبح التكوينالمستمر حقاً فعلياً تدعمه المقاولات والسلطات العمومية. فالرهان إنساني بالدرجة الأولى: تمكينالأشخاص من التكيف دون العيش في حالة دائمة من انعدام الأمن المهني والاقتصادي.
3. المغرب AI 2030: الانتقال من الطموح إلى التحول الفعلي
ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي بالمغرب باعتباره مكوناً من مكونات التحول الإنتاجي وتنميةالرأسمال البشري، وليس مجرد ملف تكنولوجي معزول. ويمكن أن يساهم في تحسين الإنتاجيةفي الصناعة والفلاحة والخدمات والصحة والتعليم والإدارة. غير أن النتائج ستظل مرتبطة بتوفرالكفاءات والبنيات التحتية والمعطيات الجيدة والبحث العلمي وقدرة المقاولات، وخاصة الصغيرةوالمتوسطة، على اعتماد هذه الحلول.
وتمنح خارطة الطريق «المغرب AI 2030» إطاراً استراتيجياً لهذه الطموحات، من خلال أهدافتتمثل في المساهمة بـ100 مليار درهم في الناتج الداخلي الإجمالي، وإحداث 50 ألف منصبشغل مباشر وغير مباشر، وتكوين أو تأهيل 200 ألف كفاءة في أفق 2030.
وترتكز هذه الخارطة على ثلاثة محاور: السيادة والثقة؛ الابتكار والتنافسية؛ ثم الأثر والاعتمادوالإشعاع. كما تعتمد على الشبكة الوطنية لمعاهد «JAZARI»، الموجهة إلى البحث والمدن الذكيةوالتعليم والصناعة.
وقد شهد شتنبر 2026 الإعلان عن مبادرات ملموسة، منها سوق وطنية للذكاء الاصطناعيومساعد «Idarati AI» لمواكبة المرتفقين في مساطرهم الإدارية. كما أتاح التعاون مع شركة«Mistral AI» الإعلان عن أولى الأدوات المفتوحة المصدر، ومنها حلول للتعرف على اللهجاتالعربية وتفريغ الدارجة المغربية، بما في ذلك حالات الانتقال بين اللغات أثناء الحديث.
وتعني السيادة التكنولوجية امتلاك القدرة على اختيار التكنولوجيا وفهمها وتكييفها والتحكم فياستعمالها والمساهمة في تطويرها، وليس الانغلاق أو الاكتفاء الذاتي. وهذا يقتضي توفير بنيةتحتية آمنة للحوسبة والتخزين، ومعطيات ذات جودة، وباحثين وكفاءات متقدمة، وربطاً قوياً بينالجامعات والمقاولات والإدارات، مع ضمان استفادة المقاولات الصغرى والمتوسطة ومختلفالجهات.
ويتضمن البرنامج الحكومي 2026-2031 التزامات داعمة لهذه التوجهات، من بينها تكوين 5000 مؤطر في الذكاء الاصطناعي، وإدماجه في التعليم الإعدادي، ودعم البحث الجامعي ومعاهد«JAZARI» وتطوير الأمن السيبراني. غير أن نجاح هذه الالتزامات يظل رهيناً بتحويلها إلىبرامج ممولة، ذات مسؤوليات وآجال واضحة.
4. شروط النجاح: ست أولويات
يتطلب نجاح هذا التحول العمل وفق ست أولويات مترابطة:
1. جعل التكوين سياسة أفقية تشمل المدرسة والجامعة والتكوين المهني والمقاولات وإعادة التأهيل.
2. ربط البحث العلمي بالإنتاج، من خلال التعاون بين الجامعات والمعاهد والمقاولات الناشئةوالمقاولات الصغيرة والمتوسطة والإدارات.
3. قياس النتائج، عبر اعتماد طرق شفافة لتقييم أهداف القيمة المضافة ومناصب الشغل والكفاءاتالمكونة.
4. استباق آثار الذكاء الاصطناعي على التشغيل، من خلال تتبع المهن والمهام المتحولة وحاجياتإعادة التأهيل وجودة الوظائف المحدثة.
5. ضمان الثقة، عبر حماية المعطيات والأمن السيبراني والشفافية والإشراف البشري، خاصة فيالصحة والتعليم والخدمات المرتبطة بالحقوق.
6. جعل الإدماج معياراً للنجاح، حتى تستفيد المقاولات الصغيرة والجهات الأقل تجهيزاً والفئاتالهشة من الكفاءات ومكاسب الذكاء الاصطناعي.
لم يعد السؤال هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحول الاقتصاد المغربي؛ فهذا التحول قدانطلق بالفعل. بل السؤال هو هل سنتمكن من توجيهه نحو اقتصاد أكثر إنتاجية وابتكاراً وإدماجاً؟
إن التكوين اليوم من أجل وظائف الغد لا يعني فقط إعداد الأفراد لاستعمال التكنولوجيا، بلتمكينهم من فهم التحولات والتكيف معها والمساهمة فيها وتقاسم ثمارها. وينبغي ألا يقاس نجاح«المغرب AI 2030» بالبنيات التحتية والنماذج المطورة فحسب، بل أيضاً بمدى إحداث وظائفلائقة، وتحسين الإنتاجية، والحد من التفاوتات، والارتقاء الملموس بحياة المواطنين.


