تتجه أنظار المتتبعين للشأن السياسي والانتخابي بالمغرب نحو المحكمة الدستورية، في انتظار كلمة فصل حاسمة بخصوص الطعون المرتبطة بـ “واقعة مدرسة القدس” بدائرة طنجة أصيلة.
وفي وقت يطالب فيه بعض الطاعنين بإلغاء نتائج الاقتراع برمته، يطرح أساتذة القانون الاداري والدستوري قراءة هادئة للمقتضيات القانونية والاجتهاد القضائي المغربي، مرجحين سيناريوهات أكثر دقة وحسابية.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور محمد يحيا، أستاذ القانون الإداري والدستوري بكلية العلوم القانونية بجامعة عبد المالك السعدي، أن قياس هذه الحالة على القرارات الشهيرة السابقة، كقرار المحكمة الدستورية رقم 564/2004 المتعلق بدائرة بنسليمان، يعد “قياسا مفيدا لكنه غير مطابق”، مفككا أبعاد المنطق الذي يحكم عمل القاضي الدستوري بالمغرب في التعاطي مع مثل هذه الاختلالات.
وحول أسباب إلغاء اقتراع بنسليمان كاملا سنة 2004، أشار أستاذ القانون الدستوري إلى أن المحكمة لم تتخذ القرار لمجرد وقوع اختلاس للأوراق، بل لوجود ثلاثة عناصر مجتمعة: وقوع الواقعة في مكتب مركزي للفرز وليس في مكتب تصويت عادي، وكون الأوراق المختلسة غير محررة المحاضر مما أعدم إمكانية تحديد عددها الحقيقي، إضافة إلى كون فارق الأصوات بين آخر فائز وأول خاسر ضئلا جدا، وهو ما جعل التشكيك يمس “صدق الاقتراع” ككل، استنادا إلى روح المادة 90 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب.
وبالانتقال إلى واقعة “مدرسة القدس” بطنجة، يستحضر التحليل القانوني القاعدة المستقرة لدى القضاء الدستوري المغربي والتي تجعل من “الإلغاء الكلي استثناء، والإلغاء الجزئي هو الأصل”.
ولكي تسقط نتائج الدائرة الانتخابية كاملة بطنجة، ينبغي إثبات أن الاختلال الحاصل في مدرسة القدس ليس سلوكا معزولا بل هو نمط عام شمل الدائرة، أو أن محضر المكتب المعني مفقود ومزور ولا يمكن إعادة بنائه، إلى جانب شرط حاسم يتعلق بـ “الفارق الحسابي”.
ومثّل الدكتور يحيا لذلك بحالة ما إذا كان الفارق بين الفائز بالمقعد الأخير وأول الخاسرين يتجاوزه عدد المسجلين أو المصوتين بمكتب القدس (كأن يكون الفارق 200 صوت بينما يضم المكتب 600 صوت)؛ ففي هذه الحالة فقط يصبح الإلغاء الكلي واردا.
أمّا إذا لم يتحقق هذا الشرط الحسابي، فإن القضاء الدستوري يكتفي عادة بما يُعرف بـ “التطهير الحسابي”؛ أي إلغاء أصوات مكتب مدرسة القدس وحده وإعادة احتساب النتائج بدونه مع الإبقاء على سلامة باقي الدائرة.
وبناء على المعطيات القانونية والمسطارية، يستبعد المآل الداعي للإلغاء المباشر والدفعة الأولى لنتائج الدائرة برمتها، إذ يُتوقع رفض طلب الإلغاء الشامل ما لم تُستوفَ الشروط المشددة.
وتتلخص السيناريوهات العملية المتاحة أمام الطعن في مسارين متدرجين؛ أولهما بصيغة الأصل والمتمثل في إلغاء نتيجة مكتب مدرسة القدس فقط وإعادة ترتيب المرشحين الفائزين بعد خصم أصواته، وثانيهما احتياطي يتحقق في حال تبين عقب الخصم الحسابي أن النتيجة تتغير ويتغير معها هوية الفائز بالمقعد الأخير، إذ ينتفي حينها “صدق الاقتراع” وتصبح المحكمة أمام ضرورة إلغاء الاقتراع في الدائرة بكاملها وإعادة الانتخابات الجزئية بها قياسا على قرار 2004.
وخلص التقييم القانوني إلى أن الحسم النهائي بين الإلغاء الجزئي أو الكلي يظل رهينا بالتدقيق الميداني والحسابي الذي ستجريه المحكمة الدستورية لمضمون محضر مكتب القدس، وعدد المسجلين فيه، ودراسة فارق الأصوات بين المرتبتين الرابعة والخامسة بدائرة طنجة أصيلة.


