في أكتوبر 2024، التحق أحمد البواري بالحكومة وزيرا للفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، في سياق وطني دقيق تطبعه سنوات متتالية من الجفاف وتزايد الضغط على الموارد المائية.
ولم يأتِ هذا الاستوزار لوافد جديد على القطاع، بل لمهندس راكم تجربة ميدانية وإدارية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، أتاحت له مواكبة تحولات المجالين الفلاحي والقروي عن قرب؛ بدءا من تدبير مياه الري والبنيات الهيدروفلاحية، وصولا إلى تأهيل المجالات القروية ومواكبة المشاريع الفلاحية في مختلف مناطق المملكة.
مسار ابتدأ من الميدان وقاد تدريجيا إلى مواقع المسؤولية، وصولا إلى قيادة القطاع وصناعة اختياراته للمستقبل أمام رهانات الأمن المائي والسيادة الغذائية.
وتكشف لغة الأرقام حجم التجربة التي راكمها أحمد البواري؛ إذ سجل 36 سنة من المسار المهني في قطاع الهندسة القروية منذ التخرج من IAV حيث أمضى منها 11 سنة على رأس مديرية الري وتهيئة المجال الفلاحي.
وخلال هذه الفترة، أشرف على تحديث حوالي 900 ألف هكتار شملها البرنامج الوطني لاقتصاد مياه الري بهدف الانتقال من أنظمة الري التقليدية إلى أنظمة أكثر نجاعة في استعمال المياه، إلى جانب تعبئة أكثر من 50 مليار درهم من الاستثمارات المرتبطة ببرنامج تهيئة المجال الفلاحي وتثمين مياه الري.
كما راكم تجربة واسعة في العمل مع مختلف الشركاء الدوليين في مجال تمويل عشرات المشاريع التنموية وهيكلتها والتفاوض بشأنها، بما يعزز قدرة الفلاحة الوطنية على الصمود أمام التغيرات المناخية.
وتعود أصول أحمد البواري إلى إقليم وزان؛ حيث وُلد سنة 1964 في منطقة معروفة بتضاريسها الجبلية وتنوعها الفلاحي.
ولم تكن هذه الجذور تفصيلا هامشيا في سيرته، بل شكّلت مدخلا رئيسيا لفهم صلته بملف الماء والري وتحديات الفلاحة الجبلية والقروية.
ورغم مغادرته الإقليم لمتابعة دراسته، ظل مرتبطا بأرض أجداده، يشتغل بيديه ويشارك في مختلف أعمال الحقل التي يعرفها كل فلاح من زرع وسقي وحصاد؛ مما جعل علاقته بالقطاع علاقة معايشة حقيقية لما يواجهه الفلاح في يومه، وليست مجرد علاقة إدارية بالملفات.
وتوج هذا المسار بتكوين أكاديمي بدأ بحصوله على دبلوم مهندس دولة في الهندسة القروية من معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة سنة 1990، ثم تعزز سنة 2019 بماستر تنفيذي في إدارة الأعمال، مانحا إياه بعدا تدبيريا واستراتيجيا في قيادة المشاريع.
وعلى صعيد المهام والمسؤوليات، جمع البواري بين خبرة المهندس وحنكة المفاوض والمسؤول العمومي؛ فراكم خبرة ميدانية في تصميم المشاريع والإشراف على إنجاز الأوراش الهيدروفلاحية، من شبكات الري والمنشآت المائية إلى محطات الضخ والتجهيزات المرتبطة بها.
كما أتاح له العمل مع المؤسسات الدولية خبرة في هيكلة المشاريع وتنزيل شراكات رائدة بين القطاعين العام والخاص.
وواكب ذلك حضور مؤسساتي وسياسي، رئيسا لجمعية مهندسي الهندسة القروية بالمغرب (AIGR)، ورئيساً للشبكة المغربية المهنية المشتركة للري (REMIG)، ونائباً لرئيس شرفي للجنة الدولية للري والصرف (ICID)، إلى جانب رئاسته لهيئة المهندسين داخل حزب التجمع الوطني للأحرار منذ سنة 2017.
وتركت تجربة البواري بصمة واضحة في التحولات الكبرى لسياسة الري بالمغرب، والتي واكبت الانتقال من توسيع المساحات المسقية إلى البحث عن نجاعة أكبر في استعمال كل متر مكعب من الماء.
وساهم من موقعه في تنزيل وتطوير “البرنامج الوطني لاقتصاد مياه الري” منذ انطلاقه سنة 2008، مسجلا قفزة نوعية بنقل المساحات المجهزة بالسقي بالتنقيط من نحو 160 ألف هكتار إلى أكثر من 900 ألف هكتار بنهاية سنة 2025، أي ما يقارب 56% من مجموع المساحة المسقية بالمملكة.
ويضاف إلى ذلك إشرافه على “برنامج توسيع الري” وتجهيز دوائر سقوية بسافلة السدود، شملت تهيئة سهول دار خروفة، وسايس، وقدوسة، وسوس ماسة.
وفي هذا الإطار، برز مشروع سقي سهل اشتوكة بمياه البحر المحلاة (15 ألف هكتار) كنموذج رائد يزاوج بين التحلية والري للحفاظ على النشاط الفلاحي، وهي التجربة التي تمتد آفاقها اليوم نحو الأقاليم الجنوبية، كالداخلة والعيون لتجهيز 20 ألف هكتار مسقية بالاعتماد الكلي على الطاقة الخضراء ومياه البحر.
كما راكم الوزير تجربة غنية في عصرنة المدارات السقوية الكبرى وتحديث دوائر الري الصغير والمتوسط بالمناطق الجبلية والواحات، والمساهمة في مشاريع تعبئة الموارد المائية ونقلها بين الأحواض لتعزيز استدامتها.
وهكذا، جاء وصول أحمد البواري إلى المسؤولية الحكومية تتويجا لمسار مهني طويل وصامت داخل القطاع؛ جامعا بين معايشة الفلاح المرتبط بالأرض وخبرة المهندس الإدارية لتنزيل السياسات العامة وخدمة قضايا العالم القروي.


