مع العد العكسي للاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري، يعود النقاش حول المشاركة السياسية للمرأة ليحتل صدارة المشهد الحزبي بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة؛ نقاش تتجاذب أطرافه مفارقة صارخة بين طفرة “التمثيلية العددية” على الأوراق، وعجز الأحزاب عن إفراز نخب نسائية تقود مراكز القرار الفعلي وتخترق معترك التنافس المباشر.
المعطيات الانتخابية بدائرة طنجة-أصيلة تكشف عمق هذه الهوة؛ فمن بين 22 لائحة محلية متنافسة، لم تمنح التزكية لقيادة اللائحة سوى لامرأتين اثنتين فقط، في حين جرى إيداع 19 لائحة برسم الدائرة الانتخابية الجهوية المخصصة حصرا للنساء، ما يعكس لجوء الفاعلين السياسيين إلى الآليات المحمية بنص القانون مقابل التردد في الدفع بالمرأة إلى واجهة النزال الانتخابي المفتوح.
تطور كمي محدود سياسيا
فائزة العلوي، نائبة عميد كلية العلوم القانونية والسياسية بطنجة، ترى أن هذا الارتفاع المسجل في أعداد المرشحات يشكل “تقدما كميا لافتا، غير أنه يظل محدودا من الناحية السياسية”، مرجعة ذلك إلى كون الحضور النسائي يستند بالأساس إلى آليات التمييز الإيجابي و”الكوطا” الجهوية، أكثر مما ينبع من إرادة حزبية صريحة لترسيخ القيادة النسائية.
وأوضحت العلوي، في قراءتها للسباق الانتخابي بالجهة، أن البرامج الحزبية وإن كانت تتزين بشعارات المناصفة وتكافؤ الفرص، فإنها تفشل في ترجمتها إلى التزامات عملية وإجراءات ملموسة داخل الأجهزة التقريرية؛ مشددة على أن الانتقال من التواجد الشكلي إلى قوة التأثير الحقيقية يقتضي تثمين كفاءات نساء الشمال وإشراكهن في الملفات الاقتصادية والترابية والاستثمارية الكبرى، بعيدا عن منطق التأثيث واستقطاب الأصوات التقليدي.
“السقف الزجاجي” وغياب التمكين الاقتصادي
من جانبها، سجلت الشعيبية بالبزيوي علوي، الرئيسة الوطنية لجمعية النساء رئيسات المقاولات بالمغرب، مفارقة تركز 36.47% من مجموع الترشيحات الوطنية لدى النساء، مقابل تراجع هذه النسبة إلى قرابة 16% فقط في الدوائر المحلية التي يشتد فيها التنافس الحقيقي على المقاعد البرلمانية.
واعتبرت بالبزيوي علوي أن الأحزاب لا تزال تصطدم المرشحات بـ”سقف زجاجي” يمنعهن من تصدر اللوائح وقيادة المجالس المنتخبة أو ولوج أجهزتها التنفيذية؛ منتقدة لغة البرامج الانتخابية التي وصفتها بـ”الفضفاضة” في ما يخص دعم ريادة الأعمال النسائية، وغياب تدابير محددة الأثر في التمويل والمواكبة والولوج إلى الصفقات العمومية.
وتخلص القراءات المتقاطعة للرهان الانتخابي بالبوغاز إلى أن مسألة تمثيلية النساء تجاوزت مجرد الحسابات التقنية ليوم الاقتراع؛ إذ باتت تفرض تفكيك البنية الذكورية لآليات القرار الحزبي وربط التمكين السياسي بنظيره الاقتصادي، لضمان مشاركة مستدامة تنقل المرأة من خانة “الملء القانوني للوائح” إلى فضاء القيادة وصناعة السياسات العمومية.


