ونحن على بعد أيام معدودات من موعد 23 شتنبر، موعد النزول إلى صناديق الاقتراع ورسم خريطة المشهد التشريعي القادم، يطل علينا ذلك “الغول” المألوف الذي ما فتئ ينخر في جسد الممارسة الديمقراطية ببلادنا: غول العزوف واللامبالاة، المتخفي وراء أقنعة شتى من قبيل “كلهم بحال بحال” أو “ما كاين لاش نمشي، النتيجة محسومة”.
لكن، مهلا.. ماذا لو اخترت ألا تصوت؟ ماذا لو أدرت ظهرك لمعركة هي في الأصل معركتك؟
الحقيقة المرة التي يجب أن نصارح بها أنفسنا اليوم، ودون مواربة لغوية، هي أن عدم التصويت ليس موقفا سياسيا راديكاليا، بل هو تفويض على بياض للآخرين كي يقرروا مصيرك.
عندما تقرر البقاء في بيتك يوم الاقتراع، فأنت لا تعاقب النخب السياسية، بل تهدي مقعدك على طبق من ذهب لتلك الأقلية المنظمة التي تملك مصالحها الخاصة وتعرف كيف تحشد “زبائنها” إلى المكاتب.
مقاطعتك الصامتة تعني ببساطة أنك تنازلت عن حقك في تقرير شكل سياستك العمومية، وتركت المجال مشرعا لمن لا يمثل نبضك ليفعل بالمدينة والوطن ما يشاء.
إن الحق في التصويت لم ينزل كمنحة، بل كان ثمرة نضالات مجتمعية وحقوقية مريرة؛ كرسته المواثيق الدولية من المادة 21 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى المادة 25 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وصولا إلى اتفاقية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة التي تجعل تيسير الولوج للعملية الانتخابية التزاما لا يقبل الإقصاء.. والأهم من ذلك، أن أسمى وثيقة في البلاد، دستور 2011، لم يترك مجالا للبس في فصله 30 حين قرر أن حق التصويت والترشح مكفول لكل مواطنة ومواطن على قدم المساواة. فكيف يتنازل مواطن حر عن سلطة دستورية تضع مصير القرار بين يديه؟
خذوا مثلا مدينتنا طنجة.. هذه الحاضرة المليونية التي قفز عدد سكانها في إحصاء 2024 ليتجاوز مليونا و494 ألف نسمة. طنجة ليست مجرد أرقام جافة في سجلات المندوبية السامية للتخطيط، بل هي قطب اقتصادي، وعاصمة الشمال، وورش مفتوح يواجه تحديات حقيقية في النقل، والتشغيل، والبيئة، والعدالة الاجتماعية.. فكيف يُعقل لمدينة بهذا الثقل الديمغرافي والاستراتيجي أن يترك شبابها وساكنتها مصير دوائرهم لأصوات معدودة تقرر بالوكالة؟ هل ننتظر أن تصنع التنمية نفسها خارج قبة البرلمان والمجالس المنتخبة؟
صوّت على من تراه الأكفأ.. صوّت لمن تتقاطع رؤيته مع همومك، صوّت حتى بالورقة البيضاء إن ضاقت بك السبل وأردت التعبير عن الرفض داخل الصندوق لا خارجه.. لكن إياك والعزوف.. فالعزوف لم يكن يوما خيارا ثوريا ولا طريقا للتغيير.. بل هو الحبل السري الذي يغذي استمرار الرداءة.
في 23 شتنبر، اذهب إلى مكتب التصويت، ليس من أجل الأحزاب وبرامجها، بل دفاعا عن حقك في المحاسبة غدا.
تذكر دائما، من لا يشارك في كتابة السطر الأول، لا يملك الحق في التذمر حين تأتي الخاتمة على غير ما يشتهي!


