أعادت موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها الحدود مع مدينة سبتة المحتلة، خلال الأيام الماضية، ملف الهجرة غير النظامية إلى واجهة النقاش، بعدما أعلنت السلطات الإسبانية أرقاما غير مسبوقة بشأن عدد الأشخاص الذين تمكنوا من دخول المدينة انطلاقا من المغرب، وسط حصيلة ثقيلة من الوفيات، وعودة عشرات الآلاف إلى التراب المغربي.
وأعلن وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، أن عدد المهاجرين الذين دخلوا مدينة سبتة بشكل غير نظامي انطلاقاً من المغرب بلغ، وفق آخر المعطيات الرسمية الإسبانية، نحو 72 ألف شخص، مؤكدا أن حوالي 70 ألفا منهم عادوا بالفعل إلى المغرب، فيما تواصل السلطات الإسبانية تدبير تداعيات الأزمة التي اندلعت الأسبوع الماضي.
وبحسب السلطات الإسبانية، فقد بلغت حصيلة الوفيات المرتبطة بمحاولات العبور نحو 80 قتيلا، ما يرفع منسوب القلق بشأن المخاطر التي رافقت موجة العبور الجماعي، خاصة مع مشاركة عدد كبير من الشباب والقاصرين في هذه المحاولات.
وتزامنت هذه التطورات مع تصاعد دعوات سياسية بالمغرب إلى عدم اختزال ظاهرة الهجرة في الجانب الأمني، وضرورة البحث في أسبابها الاجتماعية والاقتصادية، خصوصا في ما يتعلق بالشباب والقاصرين، باعتبار أن استمرار الظاهرة يطرح، بحسب عدد من البرلمانيين، أسئلة حول فرص الإدماج والثقة في المستقبل.
جرس إنذار
وفي هذا السياق، اعتبر عبد القادر الطاهر النائب البرلماني عن دائرة طنجة أصيلة، أن ما يحدث على حدود سبتة «ليس مجرد محاولات هجرة غير نظامية»، وإنما يشكل «جرس إنذار» يكشف، حسب تعبيره، عمق الأزمة الاجتماعية التي يعيشها جزء من الشباب المغربي.
وقال الطاهر إن اختيار شباب مغاربة المخاطرة بحياتهم في البحر أو تسلق الأسوار يعني أن الأمل في المستقبل «بدأ يتلاشى»، داعيا إلى قراءة الظاهرة من زاوية تتجاوز المعالجة الأمنية.
وشدد النائب البرلماني على أن الحكومة لا يمكنها الاكتفاء بالمقاربة الأمنية أو ببلاغات التبرير، معتبرا أن الأزمة في جوهرها لا ترتبط بالبطالة فقط، وإنما تشمل أيضا فقدان الثقة واتساع الفوارق الاجتماعية وغياب فرص الإدماج الاقتصادي والاجتماعي والتنمية المجالية.
ودعا الطاهر الحكومة المقبلة إلى اتخاذ إجراءات لمعالجة الأسباب الحقيقية للظاهرة، والعمل على تعزيز برامج التشغيل والتنمية في المناطق التي تعرف أعلى معدلات للهجرة، إلى جانب اتخاذ التدابير اللازمة لحماية القاصرين من شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين.
وأكد أن حماية الحدود مسؤولية الدولة، لكن حماية كرامة المواطن وحقه في الأمل «مسؤولية سياسية لا تقل أهمية»، مشددا على أن ظاهرة الهجرة لن تتراجع، حسب رأيه، ما لم تتم مواجهة جذورها الاقتصادية والاجتماعية، بدل الاكتفاء بمعالجة نتائجها.
من هجرة الأدمغة إلى القاصرين
من جهته، دعا النائب البرلماني عبد النور الحسناوي، البرلماني عن دائرة المضيق الفنيدق، إلى التعامل مع موجة الهجرة الأخيرة من زاوية استراتيجية، معتبرا أن النقاش حول الظاهرة لم يعد يقتصر على «هجرة الأدمغة»، وإنما انتقل إلى هجرة القاصرين والشباب.
وأوضح الحسناوي أن المغرب كان لسنوات يناقش إشكالية هجرة الأدمغة والكفاءات، باعتبار أن دولا أخرى تستفيد من الكفاءات التي تكونت داخل المغرب، قبل أن ينتقل النقاش اليوم إلى فئة الشباب والقاصرين، التي اعتبرها بدورها «ثروة» وطاقات بشرية ينبغي الحفاظ عليها.
وأشار البرلماني إلى أن أوروبا تواجه، حسب تعبيره، إشكالات مرتبطة بالشيخوخة وتراجع معدلات الإنجاب والحاجة إلى الطاقات الشابة واليد العاملة، معتبرا أن موضوع الهجرة أصبح بالنسبة إليها موضوعا ذا أبعاد استراتيجية.
وقال الحسناوي إن «أوروبا اليوم لا تتعامل مع الموضوع كأنه موضوع هجرة فقط»، وإنما تتعامل معه، حسب تقديره، باعتباره موضوعا استراتيجيا، متسائلا عن المستفيد من هجرة القاصرين والشباب، وعن الجهات التي تستفيد من هذه الطاقات.
وانتقد البرلماني ما اعتبره استغلالا لوسائل التواصل الاجتماعي والأموال والحوافز لدفع الشباب إلى الهجرة، مشيرا إلى أن بعض المقاطع التي يتم تداولها على منصات التواصل الاجتماعي تقدم صورة عن أوروبا باعتبارها مكانا يوفر الإيواء والرعاية والظروف الجيدة، وهو ما قد يؤثر، حسب رأيه، في قرارات الشباب والقاصرين.
وقال الحسناوي إن المغرب، وفق تصوره، يجد نفسه أمام وضع تكون فيه «الضحايا» هم المغاربة وأسرهم ومستقبلهم، فيما تستفيد أوروبا من هذه الطاقات البشرية.
ولم يربط البرلماني الظاهرة بالبطالة وحدها، موضحا أن بعض الأشخاص الذين هاجروا كانوا يتوفرون على فرص عمل ودخل، قبل أن يقرروا المغادرة، معتبراً أن الأمر يتعلق أيضاً بصورة المستقبل وبما تقدمه مواقع التواصل الاجتماعي من محتويات تؤثر في الشباب.
وانتقد الحسناوي، في السياق نفسه، ما اعتبره ضعفا في عدد من السياسات العمومية، خصوصا في قطاعات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، معتبرا أن الصعوبات التي يعيشها المواطن في حياته اليومية يمكن أن تساهم في خلق مناخ يدفع بعض الشباب إلى التفكير في الهجرة.
وقال إن الحكومة مطالبة بتحمل مسؤوليتها في هذه المجالات، معتبرا أن تسليم عدد من القطاعات، وفق تعبيره، إلى «اللوبيات» أضعف قدرة المواطن على الاستفادة منها بالشكل المطلوب.
وأشار إلى أن المواطن أصبح يواجه صعوبات مرتبطة بالصحة والتعليم وتكاليف المعيشة، معتبراً أن هذه الأوضاع تشكل، إلى جانب عوامل أخرى، من بين المحفزات التي يمكن أن تستغلها الجهات التي تعمل على استقطاب الشباب والقاصرين.
كما حمّل الحسناوي جزءا من المسؤولية للأسر والمجتمع، داعياً إلى تحمل المسؤولية بشكل جماعي، سواء من طرف الحكومة والأحزاب أو فعاليات المجتمع المدني والجمعيات، من أجل مواجهة ظاهرة الهجرة الجماعية.
وأكد أن معالجة الظاهرة تقتضي، في رأيه، الاشتغال على التعليم والتأطير وبرامج وزارة الشباب والجانب الثقافي، مشيراً إلى أن دور الشباب لم يعد يؤدي، حسب تعبيره، الدور نفسه في التأطير والاحتواء.
وقال الحسناوي إن حماية الشباب والقاصرين لا يمكن فصلها عن ورش الحماية الاجتماعية والحماية الصحية، معتبراً أن ارتفاع كلفة العلاج والمعيشة يثقل كاهل المواطن ويؤثر في نظرته إلى مستقبله.
وأضاف أن الحفاظ على الطاقات والكفاءات المغربية يتطلب استراتيجيات متكاملة تشمل مختلف المجالات، وليس فقط إجراءات مرتبطة بالهجرة والحدود.
كما شدد الحسناوي على أن الفئات الصغيرة السن تحتاج إلى مزيد من التأطير، خصوصاً داخل المؤسسات التعليمية ومؤسسات الشباب، معتبراً أن غياب التأطير والبرامج الثقافية والاجتماعية يترك فراغاً يمكن أن تستغله جهات أخرى للتأثير في هذه الفئات.
وتأتي هذه التصريحات في وقت أعلنت فيه السلطات الإسبانية أن حوالي 70 ألف شخص من أصل 72 ألفاً دخلوا إلى سبتة خلال الأزمة الأخيرة عادوا إلى المغرب، بينما ما تزال السلطات تتعامل مع تداعيات دخول أعداد كبيرة من الأشخاص إلى المدينة.
وتضيف حصيلة الوفيات، التي أعلنت السلطات الإسبانية أنها بلغت نحو 75 قتيلاً، بعداً مأساوياً إلى الأزمة، بعدما تحولت محاولات العبور إلى مغامرة خطيرة بالنسبة إلى عدد كبير من المشاركين فيها.
وبالنسبة إلى عبد القادر الطاهر، فإن هذه الأرقام والمعطيات تستدعي من الحكومة المقبلة وضع ملف الهجرة ضمن أولوياتها، ليس فقط من خلال حماية الحدود، ولكن أيضاً عبر برامج التشغيل والتنمية والإدماج الاجتماعي.
أما عبد النور الحسناوي، فيرى أن المطلوب هو وضع استراتيجية شاملة تتعامل مع الهجرة باعتبارها قضية مرتبطة بالشباب والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والثقافة، إلى جانب أبعادها الأمنية والدبلوماسية.
وفي ظل استمرار تداعيات الأزمة، تظل حماية القاصرين من مخاطر الهجرة غير النظامية وشبكات الاستغلال واحدة من أبرز الملفات المطروحة، إلى جانب الحاجة إلى معالجة الظروف التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم للوصول إلى سبتة.
وتجمع التصريحات السياسية المقدمة حول الموضوع على أن المقاربة الأمنية، رغم ضرورتها في تدبير الحدود، لا تكفي وحدها لمعالجة ظاهرة الهجرة، وأن مواجهة أسبابها تقتضي، بحسب البرلمانيين، سياسات عمومية قادرة على توفير فرص الإدماج والعمل والتنمية، وتعزيز التأطير الاجتماعي والثقافي، وحماية الفئات الأكثر عرضة للاستغلال.
وبذلك، أعادت أحداث سبتة ملف الهجرة إلى صدارة النقاش السياسي والاجتماعي، في ظل أرقام كبيرة بشأن أعداد الوافدين والعائدين، وحصيلة الوفيات، بينما تتواصل الدعوات إلى البحث عن حلول تتجاوز التدبير الأمني للحدود نحو معالجة الأسباب التي تدفع الشباب والقاصرين إلى خوض محاولات عبور محفوفة بالمخاطر.


