قبل أن تطوى آخر صفحات الحضور المغربي في الأندلس بسقوط غرناطة عام 1492، كانت الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق قد تلقت أولى الضربات القاصمة التي رسمت ملامح صراع امتد لأكثر من خمسة قرون.
ففي 21 من شهر غشت 1415، عبرت أساطيل البرتغال البحر نحو مدينة سبتة في عهد المملكة المرينية، لتدشن بذلك أقدم جرح استعماري لم يندمل بعد في الجغرافيا المغربية، محولة المدينة المرفئية من مركز تجاري زاهر إلى رأس حربة للصليبية الإيبيرية الممتدة.
لم تكن سبتة سوى فاتحة الشهية للتوسع الاستعماري؛ إذ تلتها محاولات السيطرة على طنجة، واحتلال القصر الصغير عام 1458، ثم أصيلة وطنجة عام 1471.
وحين سقطت غرناطة في يد الملكين الكاثوليكيين إيزابيلا وفرناندو، انتقل ثقل المواجهة عسكريا واستراتيجيا إلى الشواطئ المغربية، لتلتحق مليلية بالاحتلال القشتالي عام 1497، وتتحول السواحل الشمالية للمملكة إلى حصون وقواعد عسكرية مغلقة تستهدف محاصرة التجارة المغربية وقطع الخطوط بين شمال إفريقيا وجنوب أوروبا.
واليوم، ورغم تبدل الدول وتعاقب القرون والانتقال من السيادة البرتغالية إلى السيادة الإسبانية، تعود قضية سبتة ومليلية لتفرض نفسها بقوة على طاولة النقاش السياسي والدولي.
فالأزمات المتلاحقة على الحدود، وموجات التدفق الجماعي نحو السياج الفاصل، تكشف عن حقيقة ثابتة: إن الملف لم يمت قط، وأن الرباط لا تنظر إلى وجود إسبانيا في المدينتين والجزر المجاورة إلا باعتباره وضعا استثنائيا ناشئا عن ظروف تاريخية مضت.
إن العودة إلى لحظة سقوط سبتة عام 1415 تؤكد أن النزاع الراهن ليس مجرد ورقة للضغط السياسي أو المناورة الدبلوماسية، بل هو امتداد لملف سيادي مفتوح. وبذات القدر الذي سعت فيه القوى الإيبيرية تاريخيا لتأمين حدودها الجنوبية، تظل المطالب المغربية باستعادة ثغره السليب حقيقة جغرافية وتاريخية تتجدد مع كل أزمة، مؤكدة أن التاريخ الحقيقي للمنطقة لا يستقيم إلا بردم الفجوة الاستعمارية الأخيرة على الساحل الإفريقي.


