لم يكن المشهد مجرد نزيف إنساني عابر يوم الجمعة، بل كان شبيها بيوم القيامة، زحف أثيري تشخص له الأبصار، وتتكسر على صخوره أعتى الأحلام.
على طول الشريط الساحلي الممتد من الميناء المتوسطي إلى غاية البوابة اللعينة لـ “باب سبتة”، انسابت أجساد النمل البشري، قاطعة الكيلومترات مشيا على الأقدام، أطفال بعمر الزهور وشباب في مقتبل العمر، ساروا خلف سراب حُلم تبخّر في أول منعطف.

كانت الطريق تختنق بالأمل والحرقة.. وعلى مقربة من الدالية ومدخل بليونش المتشح بالخضرة، كانت الأيادي الحازمة لعناصر الدرك الملكي، بزيّها الأخضر الشاهد على صرامة اللحظة، ترسم خطوطا حاسمة ضدّ المجهول؛ يوقفون كل دبة نمل، يستجوبون كل سيارة أو دراجة تسرب إليها الشك.
الفنيدق.. ترانزيت الفواجع وشرفات الانتظار
في مدخل مدينة الفنيدق، انتصب السد القضائي للأمن كالمصيدة، لكن المدينة نفسها تحولت إلى مستشفى مفتوح على الهواء: المساحات الخضراء التي كُسيت بعشرات الشبان الحالمين بالهجرة، أضحت مشهدا جنائزيا مصغرا.. أعينٌ إنهاكُها يستجدِث البكاء، ملابس رثة، وأقدام دامية قطعت الكيلوميترات للظفر بلحظة عبور إلى “الثغر المحتل”.
وعلى هامش هذا البؤس الإنساني، ينبت كائن الانتهازية؛ أصحاب سيارات ودراجات نارية سخروا خطوط التماس للتجارة بأوجاع الناس، يعرضون خدمات “التوصيل” نحو حدود سبتة بمقابل مادي نفعي، متغافلين عن أن نهاية المطاف ليست سوى جحيم أمنيا مأساويا.

تطوق عناصر القوات العمومية بوابة “باب سبتة” بحواجز حديدية متراصة في محاولة لصد التدافع البشري الهائل.
وفي قلب هذا الزحام الشديد، تقاطعت سبلنا مع “محمد”، شاب في ربيعه العشرين قادم من فاس.
يقول بصوت يتهدج بالحسرة: “جئت بحثا عن طوق نجاة يُصلح وضعي الاجتماعي.. أعداء الأمل في مواقع التواصل الاجتماعي أوهمونا بأن الباب فتحت، وأن الحراس غادروا الأبراج!”
لقد كان محمد، كغيره من مئات الشباب، ضحية “إشاعة ناعمة” قتلت أصحابها.

أمهات مكلومات وجحيم الموت الأزرق
على شريط التماس الحارق، لم تسكت زفرات الثكالى.. أمهات يندبن في الخلاء، يسكبن الدموع مدرارا بحثا عن فلذات أكبادهن: “بغينا وليداتنا.. فين مشاو وليداتنا؟”.
وفي المقابل، يجيب رجال الأمن بجفاف الواقع وصرامة الواجب: “مكاين والو اللا.. غير استناو”.
قصة أخرى تُدمي القلوب لسيدة جاءت رفقة ابنها (25 سنة) وابنتها القاصر (16 سنة) في عطلة بسيطة من نواحي مراكش، لتباغتها الفاجعة باختفائهما المفاجئ وسط المعمعة.
صُدمت حين أسرّ لها الناس بأن فلذات أكبادها جُرفا مع التيار البشري المتجه إلى سبتة.
وسط ازدحام العائدين وتعالي صيحات الترحيب، ظلت سيدة أخرى مشدوهة، تلتفت بين قادم وآخر، تنقب في الوجوه المجهدة عن ملامح ابنها الوحيد.
وصل رفاقه واحدا تلو الآخر، عبروا المعبر وجففوا عرق الطريق، لكن خطوته هو لم تطأ الأرض بعد، وصوته لم يخترق الضجيج.
تمسكت بذراع المقابص الحديدية، تجرّ حسرتها بين أقدام العائدين، وكلما فُتحت البوابة لتمرّ ثلة جديدة، شهق قلبها بأمل واه ينهار فور إغلاقها.
لم تعد ترى من الحدود سوى جدار قسريٍّ يفصلها عن الحقيقة؛ تسأل العابرين بنظرات مستجدية، تتلمس أخبار المفقودين في همسات الحرّاس، وتشدّ على شالها المبلل بالدموع كأنما تعتصر منه الصبر، رافضة مغادرة خط التماس حتى يطلّ وجهه الذي ترك خلفه العتمة والانتظار.
أما المأساة العظمى، فكانت على ألسنة العائدين من الموت.. يحكي شاب فارّ من الجحيم: “شاهدت بعيني فتاة تستنجد وسط صراع الأمواج المظلمة، كانت تغرق وتمد يدها، لكن مئات السباحين المذعورين كانوا يمرون بجانبها دون أن يملك أحدٌ قدرة إنقاذها.. كان الجميع يصارع للبقاء على قيد الحياة”.

بداية الشرارة.. ليلة النار والحجارة
فجأة، انزاح الهدوء الحذر ليفسح المجال لانفجار البركان.. تدفق الآلاف، وانهمرت الحجارة على القوات العمومية كالمطر الأسود.. تصاعد الدخان من حافلة نُقلت إليها شعلة الطيش، قبل أن تنفجر محدثة دويا أرعب المكان.
أخذٌ وردّ، كرٌ وفرّ بين القوات العمومية والشباب الغاضب، ليتحول المشهد إلى ليلة حصار كاملة للنقطة الحدودية.

تطايرت الحجارة من الأعالي والجبال المتاخمة، وشوهدت النيران وهي تأكل العشرات من المركبات وأطلقت القوات العمومية القنابل المسيلة للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين لكن دون جدوى.
وفي حصيلة دراماتيكية، احترقت زهاء 50 سيارة بالكامل وعشرات الدراجات النارية، مخلفة عشرات الإصابات المتفاوتة الخطورة في صفوف الطرفين.


الجانب الآخر.. “سراب سبتة” ودبابات الجيش
داخل سبتة، لم تكن الصورة ملونة كما رُسمت في مخيلة “الحالمين”.
الجيش الإسباني استدعى دباباته على خط الحدود، وعناصر الحرس المدني انتشرت مدججة بالأسلحة الحية والكلاب المربوطة.
كان الطوق أمنيا بامتياز، وعمليات الاعتقال والإعادة القسرية إلى الأراضي المغربية تجري على قدم وساق.
ورغم أن بعض من أُفرج عنهم كانوا يصرخون بابتهاج زائف: “الحمد لله.. جيبناها.. بيبا إسبانيا”، إلا أن الجولة الميدانية لطنجة+ داخل شوارع سبتة كشفت عن “مدينة أشباح”.
https://www.facebook.com/share/v/19DsaHhw6u/
محلات مغلقة، حظر تجول غير معلن، ومئات المهاجرين الهائمين في الأزقة يبحثون عن شربة ماء، أو بقايا رغيف، أو الظفر بمكالمة هاتفية لطمأنة أسرهم المكلومة.
”مصطفى”، ابن مدينة مولاي يعقوب، دخل سباحة عبر الممر البحري.. يقول وهو يرتعد من البرد: “كنت جالسا في المقهى بمدينة الفنيدق مستمتعا بأجواء العطلة الصيفية، واقترح علي ابن عمتي الخروج بناء على ما شاهده على مواقع التواصل الاجتماعي من فيديوهات.
دخلت بلا هدف محدد، فقط سمعت أن إسبانيا تمنح المساعدات.. لكنني رأيت الموت بعيناي، شاهدت أشخاصا يغرقون بجانبي ولا أحد يلتفت.. إنه يوم القيامة بحق”.
ندمٌ متأخر.. ومأساة إنسانية بالأرقام
حين أُغلق الممر البري بالكامل، تحول الحُلم إلى كابوس.. عشرات القاصرين بكوا بمرارة، يعلنون الندم على اتباع موجة الغوغاء، متمنين العودة إلى حضن أمهاتهم.. لا طعام، لا ماء، والشارع الرئيسي لسبتة استحال إلى مرقد مفتوح: المهاجرون افترشوا الأرض والتحفوا السماء.
ولم تقتصر المأساة على الجوع، بل تعدتها إلى المواجهة المباشرة مع بعض سكان المدينة الإسبان الذين خرجوا محاولين الاعتداء على المهاجرين وطردهم بالقوة، وهم يصرخون في وجوههم بعبارات العنصرية والمقت: “عودوا من حيث جئتم.. عودوا إلى المغرب!”.
عشرات الجثث .. وأوهام الجنة الموعودة تبددت
وفي تطور درامي للوضع، ارتفعت حصيلة هذه الفاجعة الإنسانية الناجمة عن العبور الجماعي غير النظامي إلى 67 ضحية قضوا نحبهم غرقا أو إنهاكا.
وأمام هذا النزيف، سارعت السلطات الإسبانية إلى فرض تدابير استثنائية عبر إقامة حاجز بحري جديد على حدود منطقة “تراخال”، في محاولة يائسة لمنع تكرار سيناريو التدفق البشري.
ونقلت وكالة “إيفي” مصادر رسمية من مندوبية الحكومة الإسبانية بسبتة بأن وحدات الحرس المدني وفرق الإنقاذ واصلت انتشال جثث الضحايا من عرض البحر، والتي كان معظمها عالقا بمحيط الحاجز الحدودي البحري لتراخال؛ شهادات حية على أسوأ كوارث العبور السري التي شهدتها المنطقة، والتي امتزجت فيها دماء الشباب بدموع الأمهات، وتبددت فوق صخورها أوهام الجنة الموعودة.

سراب الجنة الموعودة
تنجلي غبار المعركة على الحدود، وتطفو الأسئلة فوق أدخنة السيارات المحترقة: كيف لاستغلال أحلام الشباب عبر الشائعات الرقمية أن يتحول إلى مقبرة مفتوحة للبشر والممتلكات؟ إنها المأساة التي كشفت أن المسافة بين “سراب الجنة الموعودة” و”جحيم الواقع” لا تتعدى بضعة أمتار من المياه الإقليمية، تدفع ثمنها أمهات مكلومات، ووطن يلملم جراح أبنائه القاصرين من على أسوار ثغر ما يزال ينزف تاريخا وحاضرا!


