بقلم: أنوار بن التهامي
في كل صيف، تعود سبتة لتتصدر المشهد، لا كمدينة حدودية فحسب، بل كمرآة تعكس عمق الأزمة الاجتماعية والسياسية التي يعيشها جزء من شبابنا. تتكرر الصورة ذاتها: عشرات الشباب يلقون بأنفسهم في البحر، غير آبهين بالأمواج ولا بالحواجز الأمنية، ولا حتى باحتمال الموت. وما يُصنَّف عادة ضمن “موجات الهجرة غير النظامية” ليس ملفاً أمنياً أو إنسانياً فقط، بل رسالة سياسية بالغة الدلالة.
الأخطر أن هذه الظاهرة لم تعد حكرا على الفئات الهشة، بين المخاطرين شباب من الطبقة الوسطى، يظهر عليهم أثر الاستقرار النسبي والتعليم. هذا التحول ينسف التفسير التقليدي الذي يربط الهجرة بالفقر وحده، ويطرح سؤالاً أكثر إلحاحا: ماذا يحدث حين يفقد حتى أبناء الطبقة الوسطى إيمانهم بوطنهم؟
المشكلة إذن ليست في غياب الدخل، بل في غياب الأفق. الشباب لا يبحثون عن راتب أعلى فقط، بل عن يقين بأن الجهد والكفاءة يفتحان باباً لحياة كريمة. حين يغيب هذا اليقين، يصبح البحر أقل قسوة من انتظار غدٍ مسدود.
وهنا يُطرح سؤال المسؤولية، فبعد سنوات من البرامج الحكومية المعلنة في التشغيل والتعليم، هل استعادت هذه السياسات ثقة الشباب؟ الواقع الذي تكشفه سبتة يقول إن الجواب لا يزال بعيداً عن الطموح. فالمقاربة الرسمية تكتفي بمعالجة النتائج، تشديد المراقبة وحملات التحذير، بينما يبقى السؤال الجوهري معلقا: لماذا يقتنع شاب يعرف مخاطر البحر بأن المجازفة أفضل من البقاء؟ من يقرر السباحة نحو المجهول لا تنقصه المعلومة، بل ينقصه الأمل.
وتكتسب هذه الرسائل دلالة أكبر مع اقتراب استحقاق انتخابي جديد. من يفضّل المخاطرة بحياته على انتظار دورة انتخابية أخرى، يبعث برسالة لا لبس فيها: لم يعد يثق في قدرة الفعل السياسي على التغيير.
العزوف الانتخابي وتصاعد الهجرة ليسا ظاهرتين منفصلتين، بل وجهان لأزمة واحدة، انهيار الثقة في المؤسسات والفاعلين السياسيين.
هذا لا يعني تحميل حكومة بعينها كامل المسؤولية، فالظاهرة نتاج تراكمات امتدت عبر حكومات متعاقبة. لكن المسؤولية السياسية تظل قائمة، لأن أي حكومة تُقاس بقدرتها على صناعة الأمل، لا بإدارة الأزمة أو تأجيلها.
استعادة الثقة لن تتحقق بخطابات موسمية ولا بوعود انتخابية جديدة، بل بإصلاحات ملموسة: فرص شغل منتجة، تعليم مرتبط بسوق العمل، وعدالة مجالية حقيقية. فالأوطان لا تحتفظ بشبابها بالأسلاك الشائكة، بل بقدرتها على إقناعهم بأن مستقبلهم يُبنى بداخلها لا خارجها.
سبتة، في النهاية، ليست معبرا حدوديا فحسب، بل مؤشر سياسي ينبغي الإصغاء إليه.
إنها تقول، بصوت الشباب، إن التحدي الحقيقي ليس في حراسة الحدود، بل في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، وبين السياسة والجيل الذي يُفترض أن يحمل مستقبل البلاد. وتجاهل هذه الرسائل اليوم لن يوفر كلفتها غدا، بل سيضاعفها.


