أكد باحثون وخبراء في علم الوراثة وعلم الآثار أن المعطيات العلمية والتحاليل الجينية الحديثة حسمت بشكل قاطع مع “الربط القسري” والتاريخي بين أمازيغ المغرب واليمن، مشددين على وجود استمرارية سكانية وأصل محلي أصيل للشعب المغربي يعود لآلاف السنين.
جاء ذلك خلال ندوة علمية بعنوان “المغرب في مرآة الاكتشافات الأركيولوجية الجديدة”، المنظمة في إطار فعاليات الدورة العشرين لمهرجان “ثويزا” الثقافي بمدينة طنجة.
وفي هذا السياق، شدد الباحث في علم الوراثة والمهندس المعلوماتي، أوراغ زين العابدين، على أنه بات من الضروري بكيفية علمية هدم الطرح القائل بأن قبائل أمازيغية كـ”صنهاجة” و”كتامة” جاءت من اليمن عقب انهيار سد مأرب؛ موضحا أن اكتشاف رفات بشرية في جزيرة سقطرى اليمنية يعود تاريخها لعام 2024 تقريبا — وهي الأقرب جينياً للحميريين — ومقارنتها بالرفات والجينات المغربية، أظهر غياب أي علاقة وراثية باليمن نهائيا.
وبينت التحاليل أن لسكان اليمن المكتشفين مكونات وراثية خاصة مرتبطة بالنطوفيين ومكون “زاغروس” في إيران والمزارعين الأناضوليين، مؤكدا أن اليمنيين القدامى ظلت لديهم استمرارية سكانية معزولة في مناطقهم ولم ينتشروا نحو شمال إفريقيا.
وفي مقابل الافتراضات القديمة، استعرض الباحث أدلة جينية تعود لرفات نوميدية من منطقة سطيف وأخرى من جزر الكناري تحمل جميعها السلالة الأبوية الأمازيغية E-M81، مستحضرا صورة الملك الموري “بوغود” (Bogud) للتدليل على دحض التصورات الأيديولوجية التي تحاول الترويج لأن الموريين كانوا زنوجاً أو ينحدرون من إفريقيا جنوب الصحراء.
وفي ما يتعلق بالبنية الجينية، أوضح زين العابدين أن غالبية الأمازيغ تشترك في سلالة أبوية واحدة، وتحديداً السلالة الفرعية E-Z5009 المنحدرة من E-M81، والتي تجمع أمازيغ الريف والأطلس وسوس عبر “جد جامع” عاش تقريباً سنة 300 قبل الميلاد.
وأضاف أن الاختلافات الظاهرية بين أمازيغي في الشمال وآخر في الجنوب تعود إلى السلالات الأمومية، حيث يحمل الأول مكونات أمومية ذات صلة بأوروبا بينما يحمل الثاني مكونات مرتبطة بالمناطق الجنوبية، مع احتفاظهما بالبصمة الأبوية نفسها.
كما أحال على دراسة علمية شملت الشمال الإفريقي (Bekada et al., 2013) خلصت إلى أن نحو 84% من المغاربة ينتمون لسلالة جينية أمازيغية أصيلة، ما يؤكد أن السواد الأعظم من السكان ينحدرون من أصل محلي ممتد، عكس الطروحات التي تدعي أن المغرب أصبح خليطاً هجيناً يشبه ديمغرافيا البرازيل أو الولايات المتحدة.
من جانبه، نبه يوسف بوكبوط، الباحث في المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط، إلى أزمة الهوية التي ما زالت تخيم على جزء من سكان شمال إفريقيا من ليبيا إلى موريتانيا، حيث يسود لدى البعض انطباع شفهي بأن أصولهم تعود للشرق الأوسط أو شبه الجزيرة العربية.
وسجل بوكبوط أنه لا توجد في المغرب أي شجرة نسب موثقة تاريخيا تمتد بصورة متصلة لأكثر من 300 أو 400 سنة، بينما يدعي البعض انتماءات لأصول تعود إلى ألفي سنة، وهو أمر يفتقد للسند العلمي والتاريخي.
وخلص الباحث الأركيولوجي إلى أن علم الوراثة والجينوم هو الكفيل اليوم بالفصل في هذه القضايا وإنهاء الخطابات الشعبوية؛ كاشفا في هذا الصدد عن تشييد مختبر جديد متخصص في التحاليل الجينية قرب مدينة طنجة.
ومؤكدا أنه يشكل خطوة مفصلية ستمكن المواطنين والباحثين من التأكد من أصولهم وجذورهم التاريخية بعيدا عن الأساطير والروايات غير الموثقة.

