لم يعد المنتخب الفرنسي يعتمد على الموهبة الفردية فقط كما كان يعتقد في السنوات الماضية، بل أصبح فريقا يمتلك هوية تكتيكية واضحة تجمع بين القوة البدنية، والانضباط الدفاعي، والسرعة الكبيرة في التحولات، إضافة إلى جودة فردية استثنائية قادرة على حسم المباريات في أي لحظة.
وبعد خمسة انتصارات متتالية في كأس العالم 2026، أثبت منتخب ديدييه ديشان أنه ليس فقط صاحب أقوى هجوم بين المنتخبات المتأهلة، بل أيضا أحد أكثر الفرق اكتمالا من الناحية التكتيكية.
أنهت فرنسا دور المجموعات بالعلامة الكاملة بعد الفوز على السنغال (3-1)، والعراق (3-0)، والنرويج (4-1)، قبل أن تتجاوز السويد بثلاثية نظيفة في دور الـ32، ثم تتخطى باراغواي بصعوبة (1-0) في ثمن النهائي. وخلال هذه المباريات سجل “الديوك” 14 هدفًا، وهو أعلى رصيد تهديفي بين المنتخبات المتبقية، لكن اللافت أن الفريق لم يعتمد على سيناريو واحد لتحقيق الانتصارات فقد فاز في مباريات مفتوحة، كما عرف كيف يحسم المواجهات المعقدة أمام دفاعات متكتلة، وهو ما يعكس مرونته التكتيكية الكبيرة.
هوية ديشان… الواقعية قبل الجمال
رغم امتلاك فرنسا نخبة من أفضل لاعبي العالم، فإن ديدييه ديشان لا يبني فلسفته على الاستحواذ أو السيطرة المطلقة على الكرة، بل على الكفاءة والفعالية. فلسفة المدرب الفرنسي بسيطة للغاية: الوصول إلى مرمى المنافس بأقصر طريق ممكن.
لا يهتم المنتخب الفرنسي بتبادل مئات التمريرات، وإنما يبحث عن استغلال أول مساحة تظهر خلف دفاع المنافس. لذلك، غالبًا ما تتحول الهجمة من الدفاع إلى منطقة جزاء الخصم خلال ثوان معدودة، مستفيدة من السرعة الهائلة التي يتمتع بها كيليان مبابي، وجودة التحركات بين الخطوط لمايكل أوليسي، وقدرات عثمان ديمبيلي في المواجهات الفردية.
ولهذا السبب، فإن متوسط زمن الهجمة الفرنسية لا يتجاوز في كثير من الأحيان ست إلى عشر ثوان، وهو ما يجعلها من أخطر المنتخبات في التحولات السريعة.
فرنسا لا تهاجم بالكرة فقط… بل بالمساحات
أحد أكبر الأخطاء التي يقع فيها المنافسون هو الاعتقاد بأن فرنسا تحتاج إلى الاستحواذ لصناعة الخطورة، بينما الحقيقة أن الفريق يصبح أكثر خطورة عندما لا يمتلك الكرة.
إذا ضغط المنافس عاليا، لا تتردد فرنسا في تجاوز هذا الضغط مباشرة عبر الكرات الطويلة نحو مبابي أو المهاجم المتقدم، ثم تبدأ المعركة على الكرة الثانية، ومنها تنطلق الهجمة بسرعة كبيرة. لذلك فإن أي ضغط غير منظم يمنح المنتخب الفرنسي ما يريده تماما: المساحات.
ظهر ذلك بوضوح أمام السنغال والنرويج، حيث حاول المنتخبان الضغط المتقدم، لكن فرنسا استغلت المساحات خلف الدفاع وعاقبتهما بهجمات مرتدة سريعة أنهت المباراة عمليا.
مثلثات هجومية تمنح فرنسا حلولا لا تنتهي
رغم اعتمادها على الرسم الأساسي 4-2-3-1، فإن تحركات اللاعبين تجعل الشكل يتغير باستمرار.
في الجهة اليمنى يتكون مثلث هجومي بين جول كوندي، وعثمان ديمبيلي، ولاعب الوسط، ما يسمح بتبادل المراكز باستمرار وخلق التفوق العددي.
أما في الجهة اليسرى، فتظهر مثلثات مشابهة يقودها باركولا أو ديزيري دوي مع مايكل أوليسي وأحد لاعبي الوسط.
لكن أكثر لاعب يصعب التعامل معه هو أوليسي، لأنه لا يلتزم بمركز ثابت، بل يتحرك بحرية كاملة بين الخطوط، ويجيد استلام الكرة تحت الضغط ثم كسر الخط الدفاعي بتمريرة واحدة.
مبابي… السلاح الذي تدور حوله المنظومة
رغم كثرة النجوم، يبقى كيليان مبابي قلب المشروع الهجومي الفرنسي.
لا يتمركز كمهاجم كلاسيكي، بل يتحرك باستمرار بين الجناح الأيسر والعمق، ويجبر المدافعين على الخروج من أماكنهم، ما يفتح مساحات لبقية اللاعبين.
كل هجمة تقريبًا تبحث عن مبابي، سواء عبر تمريرة عمودية مباشرة، أو بعد انتقال سريع، أو حتى عبر تغيير جهة اللعب. لهذا فإن إيقاف مبابي لا يعني فقط الحد من خطورته الفردية، بل تعطيل جزء كبير من المنظومة الهجومية الفرنسية.
الضغط العالي… سلاح مرعب لكنه يحمل مخاطرة
من أبرز مميزات فرنسا الضغط العكسي القوي فور فقدان الكرة.
المهاجمون يضغطون رجلًا لرجل في الثواني الأولى، بهدف إجبار الخصم على لعب كرة طويلة أو ارتكاب خطأ في التمرير.
لكن هذا السلاح يحمل في الوقت نفسه نقطة ضعف واضحة.
إذا نجح المنافس في كسر خط الضغط الأول، تصبح المساحات كبيرة خلف لاعبي فرنسا، لأن الثلاثي الهجومي لا يعود دائمًا بسرعة إلى مواقعهم الدفاعية، وهو ما يجعل الفريق يدافع أحيانًا بسبعة أو ثمانية لاعبين فقط.
وهنا تظهر “أنصاف المساحات” والممرات بين الظهير وقلب الدفاع، وهي المناطق التي يمكن استغلالها إذا خرج الفريق المنافس بالكرة بجودة وسرعة.
أين تكمن نقاط ضعف فرنسا؟
رغم القوة الكبيرة، فإن المنتخب الفرنسي ليس فريقا بلا عيوب. أبرز هذه العيوب تكمن في خط الدفاع.
الثنائي أوباميكانو وساليبا قوي جدا في الالتحامات والكرات الهوائية، لكنهما ليسا الأسرع عند مواجهة مهاجمين ينطلقون في المساحات.
كما أن جول كوندي يتقدم كثيرا للمساندة الهجومية، وهو ما يترك فراغات واضحة خلفه، خاصة إذا تأخر لاعب الوسط في التغطية.
كذلك، فإن تقدم الظهير الأيسر باستمرار يفتح مساحات مماثلة يمكن استغلالها عبر التحولات السريعة.
أما في وسط الملعب، فإن غياب أوريلين تشواميني إذا حدث سيؤثر كثيرا على التوازن الدفاعي، لأنه اللاعب المسؤول عن حماية العمق وافتكاك الكرات قبل وصولها إلى خط الدفاع.
كيف يستطيع المغرب إزعاج فرنسا؟
إذا أراد المنتخب المغربي إقصاء فرنسا، فلن يكون الحل في الدخول في صراع مفتوح أو محاولة مجاراتها هجوميا، لأن ذلك سيمنح مبابي ورفاقه المساحات التي يبحثون عنها.
المفتاح الأول يتمثل في تجاوز الضغط الفرنسي الأول بهدوء وجودة في التمرير. فإذا نجح المغرب في الخروج بالكرة من مناطقه، سيجد مساحات كبيرة خلف لاعبي فرنسا يمكن استغلالها.
المفتاح الثاني هو استهداف المساحات خلف الظهيرين، خاصة مع سرعة لاعبين مثل سفيان رحيمي وشمس الدين طالبي، وقدرة إبراهيم دياز على التحرك بين الخطوط وصناعة التفوق العددي.
كما أن اللعب المباشر بعد افتكاك الكرة سيكون أكثر فاعلية من الاستحواذ الطويل، لأن الدفاع الفرنسي يواجه صعوبة أكبر عندما يضطر للركض نحو مرماه.
وسيكون الفوز بالكرات الثانية عنصرا حاسما أيضا، لأن فرنسا تعتمد كثيرا على الكرات الطويلة للخروج من الضغط، ومن يسيطر على الكرة الثانية يستطيع فرض نسق المباراة.
مواجهة بين فلسفتين
ما يجعل هذه المباراة مثيرة هو أنها تجمع بين أسلوبين مختلفين تماما.
فرنسا تعتمد على القوة البدنية، والسرعة، والانتقال العمودي المباشر، بينما يعتمد المغرب على التنظيم الجماعي، والمرونة التكتيكية، والقدرة على تغيير الرسم أثناء المباراة.
ولذلك قد لا تحسم المواجهة بنسبة الاستحواذ أو عدد التمريرات، بل بتفاصيل صغيرة مثل جودة التحولات، واستغلال أنصاف الفرص، والانضباط عند فقدان الكرة.
إذا منح المغرب فرنسا المساحات، فسيصبح إيقاف مبابي وديمبيلي وأوليسي مهمة شبه مستحيلة. أما إذا نجح في فرض إيقاعه، وكسر الضغط الفرنسي، واستغل الفراغات خلف الأظهرة، فسيكون قادرا على وضع أحد أبرز المرشحين للقب في موقف بالغ الصعوبة.
لهذا تبدو مواجهة ربع النهائي اختبارا تكتيكيا من أعلى مستوى، بين منتخب يمتلك واحدة من أخطر المنظومات الهجومية في العالم، وآخر أثبت خلال البطولة أنه لا يخشى الكبار، ويملك من الانضباط والشخصية ما يؤهله لمقارعة أي منافس حتى صافرة النهاية.

