لم تكن شوارع “عروس الشمال”، صبيحة اليوم الجمعة فاتح ماي، مجرد ممرات عابرة، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة للمحاكمة الشعبية لسياسات الحكومة الاجتماعية؛ فمنذ الساعات الأولى للصباح، تقاطرت الحشود نحو ساحة الأمم وشارع محمد الخامس، مشكلة لوحة فسيفسائية من اليافطات والشعارات المطالبة برفع الحيف عن “أبناء الكادحين” في مشهد غلب عليه طابع الاحتجاج أكثر من الاحتفال.
وتحت شمس ربيعية لم تطفئ لهيب الغضب الكامن في الصدور، خرج الآلاف من الأجراء والمستخدمين والعمال، استجابة لنداء المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية، لتخليد العيد الأممي، حاملين مطالب لم تكن هذه المرة تقليدية، بل تركزت في مجملها على المطرقة والسندان اللذين يطوقان عنق المواطن الطنجاوي: الارتفاع الصاروخي لأسعار المواد الاستهلاكية، وتآكل القدرة الشرائية التي لم تعد تكفي لسد الرمق.

وبأصوات مبحوحة ولكن حازمة، ردد المحتجون شعارات من قبيل: “بلادنا فلاحية والقفة غالية عليا”، وهي رسائل وجهتها الشغيلة بطنجة إلى الفاعلين السياسيين، منددة بما أسموه “تغول الرأسمال” و”تجاهل المطالب العادلة” في ظل اتفاقات اجتماعية يراها الكثيرون حبراً على ورق.
وقد تصدر ملف غلاء المعيشة قائمة الاحتجاجات، حيث طالب العمال بتدخل عاجل لضبط الأسعار ومحاربة المضاربة، موازاة مع التنديد بـ “التضييق” الذي يطال بعض المكاتب النقابية في الوحدات الصناعية الكبرى بضواحي المدينة.

المركزيات النقابية، وفي مقدمتها “الاتحاد المغربي للشغل” و”الكونفدرالية الديمقراطية للشغل”، استعرضت عضلاتها التنظيمية عبر مسيرات جابت أهم الشرايين الحيوية للمدينة، حيث أكد المنسقون النقابيون في كلماتهم أن “السلم الاجتماعي” رهين بمدى استجابة الحكومة لمطالب الطبقة العاملة، محذرين من “خريف غضب” قد يعقب هذا الربيع الاحتجاجي إذا ما استمرت سياسة “الأذان الصماء”.
ومع انفضاض الجموع بحلول الزوال، ظل صدى الشعارات يتردد في أزقة طنجة، مؤكدا أن الطبقة الشغيلة لا تزال الرقم الصعب في المعادلة الوطنية، وأن “برميل الغلاء” بات الفتيل الذي يهدد استقرار السلم الاجتماعي ويفتح الباب أمام نقاش مجتمعي حارق لا يسلم منه أحد.



