احتضنت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة اليوم الخميس، ندوة علمية حول موضوع الرقمنة والذكاء الاصطناعي، بمشاركة محمد أوجار، وزير العدل السابق، وبحضور ثلة من الأكاديميين والمسؤولين وعدد من البرلمانيين، لتسليط الضوء على التحديات القانونية والاجتماعية والسيادية التي تفرضها التحولات الرقمية المتسارعة.
وافتتح الندوة خالد بن تركي، نائب عميد الكلية، بكلمة تمهيدية استعرض خلالها ملامح الجدلية القائمة بين الفضاء الرقمي والنصوص القانونية وتأثير كل منهما في الآخر.
واعتبر بن تركي أن هذا اللقاء يأتي في سياق زمني وموضوعي يلامس إشكالات بنيوية تفرض تعميق البحث في امتداداتها المتعددة.
من جهته، أكد يوسف العلمي، نائب وممثل رئيس جامعة عبد المالك السعدي، أن الرقمنة أفرزت واقعا جديدا على عدة أبعاد، أبرزها الصعيد القانوني، داعيا إلى ضرورة مواكبة التشريعات لهذه القضايا وخروج اللقاء بتوصيات تغني البحث العلمي.
وفي سياق متصل، أوضح أحمد العلالي، عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، أن انخراط المؤسسة بتخصصاتها كافة في تفكيك هذه المواضيع ينسجم مع دورها في مواكبة التحولات من منطلق “متوازن وعميق”، مشددا على الحاجة الماسة لبناء “عدالة رقمية آمنة”.
ومن جانبها، أبرزت جميلة العماري، رئيسة شعبة القانون الخاص، أن هذا النشاط يأتي استمرارا للدينامية العلمية للكلية، معتبرة أن حضور خبرة كأوجار من شأنه إغناء النقاش الأكاديمي حول هذه الرهانات.
واعتبر أويس السيمو، منسق ماستر قانون الأعمال والعدالة الجنائية، أن الموضوع يرتبط ارتباطا وثيقا بعدة قوانين، على رأسها القانون الجنائي وقانون حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، مشيرا إلى أن العدالة الحديثة أصبحت تعتمد على الرقمنة لتفادي هدر الزمن القضائي، مع التشديد على ضرورة حماية الحق في الحياة الخاصة والحميمية داخل الفضاء الرقمي.
ومن جانبه، وصف محمد أوجار موضوع الرقمنة بـ “الراهنية الحارقة والملتهبة”، مؤكدا أنه لا يمكن لأي مجتمع أو جامعة التهرب منه نظرا لتعقيداته المرتبطة بكيفية إيجاد مكانة للمجتمع المغربي في الفضاء الرقمي.
وأضاف أوجار أن عدد الهواتف المحمولة في المغرب تجاوز عدد السكان، مما ساهم في تشكيل تحولات عميقة مست الجوانب الأسرية والديمغرافية والسياسية، مشيرا إلى أن المغرب حقق انتقالات مهمة بفضل الرؤية الملكية التي دفعت نحو تبني التطور الرقمي كقرار سيادي.
وتوقف المتحدث عند إشكالية الهوية، موضحا أن المجتمع المغربي المسلم يسعى لإيجاد إجابات منطقية حول كيفية تقبل الرقمنة دون المساس بهويته الوطنية، محذرا من أن الوسائط الرقمية يمكن أن “تغني الهوية أو تدمرها”.
كما لفت إلى أن الرقمنة تجاوزت مفهوم “السيادة التقليدية” وأنهت عهد التحكم المطلق في الإعلام بكل أدرعه، معتبرا أن نجاح الثورة الرقمية في المغرب رهين بانخراط الشباب والعلماء والكفاءات الوطنية.
وعلى المستوى الإداري، أشار أوجار إلى أن مخطط “المغرب 2023” يمثل خارطة طريق نحو إدارة رقمية تهدف إلى تحقيق النجاعة والشفافية ومحاربة الفساد، مؤكدا أن الرقمنة تضيق الخناق على الممارسات غير المشروعة.
وذكر أن المملكة حققت نجاحات في تعميم الهوية الرقمية وإطلاق الوثائق عن بعد، مع الدعوة إلى جعل الرقمنة “مبدأ تفكير” يومي للتعايش مع المتغيرات الجديدة.
وفيما يخص المخاطر، أثار الوزير السابق تساؤلات حول “السيادة الرقمية” ومدى قدرة المغرب على حماية بياناته في ظل سيطرة شركات كبرى عابرة للقارات، منبها إلى ضعف الحماية من الاختراقات وهجرة الكفاءات المغربية التي تضطر البلاد لاستيراد حلول جاهزة.
كما أشاد بدور المديرية العامة لنظم المعلومات التابعة للدفاع الوطني “كحصن سيادي”، مستدركا بأن الوعي الرقمي للمواطن يبقى الحلقة الأهم لتفادي التهديدات التي تطال البيانات الشخصية.
واختتم أوجار مداخلته بالتحذير من جيل جديد من الجرائم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والتي تهدف لتضليل العدالة وتزييف الحقائق، خاصة مع اقتراب المواعيد الانتخابية.
وأوصى بضرورة عدم النظر إلى الذكاء الاصطناعي بريبة، بل بوضع ضوابط قانونية وأخلاقية تضمن استخدامه في إطار احترام القيم المجتمعية وحقوق المرأة والطفل، مؤكدا أن الرقمنة هي تحد شامل؛ اقتصادي وقانوني واجتماعي، يتجاوز كونه مجرد تطور تقني.

