لم تكن القاعة الكبرى بأحد فنادق مدينة طنجة، مساء الـ25 من أبريل، مجرد فضاء لاستضافة حفل تكريمي عابر، بل كانت أشبه بـ”محراب” ثقافي التأمت فيه أرواح مبدعة، لتجدد العهد مع “ثقافة الاعتراف” في مدينة لطالما كانت جسرا يربط بين القارات والأفكار.
تحت سماء “عروس الشمال”، وبحضور وازن يتقدمه السيد أندري أزولاي، مستشار الملك محمد السادس، وحرمه السيدة كاتيا برامي أزولاي، احتفت طنجة بنساء لم يكتفين بالعبور في دروب الحياة، بل تركن خلفهن أثرا لا يمحى.
وبينما كانت أضواء القاعة تعانق وجوه المكرمات، كان الحاضرون يستعيدون شريط ذكريات حافل بالعطاء، فمن الدبلوماسية الرزينة التي مثلتها السفيرة السابقة أمامة عواد لحرش، إلى سحر الشاشة الكبيرة الذي جسدته المخرجة مريم التوزاني، وصولا إلى التدبير الاجتماعي الميداني مع السيدة زينب أولحاجن، بدت اللوحة متكاملة الأركان.
وامتدت يد التقدير لتشمل وجوها نذرت حياتها لزرع قيم التسامح والتربية والعمل المدني، أمثال سميرة بن عبد الوهاب، كريستينا لابارغا، نزيهة الوسر النعيمي، شفيقة الصبابي، وهايدي زلنهن، نساء من مواقع مختلفة، لكنهن اجتمعن تحت سقف واحد: “إشعاع المغرب الحديث”.
وفي هذه الليلة الساحرة، كان الفن هو القاسم المشترك، فبين “نوبات” الأندلسي التي أداها جوق المتيوي باقتدار، وصوت الفنان هشام دينار والفنانة سهيلة الصحراوي، عاشت طنجة لحظة نادرة من التجلي.
لقد امتزجت قصائد “الملحون” بآهات موسيقى “الشكوري” (التراث اليهودي المغربي)، في لوحة موسيقية عكست بعمق فلسفة المملكة في التعايش والتلاحم.
ولم تكن مجرد ألحان، بل كانت ترنيمة تؤكد أن الهوية المغربية هي “كل لا يتجزأ”، وأن الفن هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة.
اختيار “البوغاز” لهذه التظاهرة لم يكن وليد الصدفة، فالمدينة التي تطل برأسها على أوروبا وتغرس أقدامها في أفريقيا، هي الأجدر باحتضان “نون النسوة” في أبهى تجلياتها، لقد كان الحفل فرصة للتأكيد على أن “الدبلوماسية الموازية” ليست مجرد تنظير، بل هي وجه نسائي مغربي مشرق، يصوغ التحولات الإيجابية تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس.





