أجمع فاعلون نقابيون وحقوقيون وخبراء في السياسات الصحية على أن المنظومة الصحية بالمغرب تمر بمرحلة من “الضبابية”، معتبرين أن مشروع المجموعات الصحية الترابية يعيد إنتاج إخفاقات الماضي بمسميات جديدة.
وسجل المشاركون في ندوة فكرية بمدينة طنجة، نظمها المرصد المغربي للحماية الاجتماعية بشراكة مع مؤسسة فريدريش إيبرت، أول أمس السبت، قراءات نقدية في تجربة المجموعات الصحية الترابية واستشراف آفاقها؛ حيث حذروا من أن هذه التجربة قد تؤدي إلى “خصخصة مقنعة” تقوض مفهوم الخدمة العمومية.
في هذا السياق، وصف عزيز غالي، منسق حركة صحة الشعوب وعضو الائتلاف المغربي من أجل الحق في الصحة، قطاع الصحة في المغرب بأنه “مرض مزمن” في تدبير الشأن العام.
وشبه تجربة المجموعات الصحية بنظام “راميد” الذي بدأ كـ”تجربة نموذجية” ثم عُمم فجأة دون تقييم حقيقي لنتائجه.
وانتقد غالي غياب الرؤية الواضحة، متسائلا عن كيفية إنجاح المجموعة الصحية بجهة طنجة في ظل عجز القائمين عليها، عن توفير مديرين لمؤسساتها الاستشفائية.
كما أشار إلى أن الميزانية الحالية لا تزال دون توصيات منظمة الصحة العالمية، حيث تُستنزف الموارد في تكاليف الأدوية بغياب استراتيجية وطنية واضحة، مؤكدا أن النجاح رهين بالاستقلالية الفعلية واعتماد نموذج تدبيري لا مركزي يحاكي التجارب الدولية الناجحة كالتجربة الكندية.
من جانبه، قارب الباحث في مجال الصحة منذر سوهامي الموضوع من زاوية الترسانة القانونية، واصفا مسلسل الإصلاحات بـ”البريكولاج” القانوني الذي أخفق في معالجة ثغرات الماضي.
وحذر سوهامي من إشكالية “ازدواجية التدبير”، معتبرا أن التقسيم الجديد للمجموعات الصحية يحاكي التقسيم الإداري لوزارة الداخلية بدل الاستجابة للحاجيات الصحية الواقعية.
كما نبه إلى خطورة فتح رأس المال في القطاع الصحي، مما قد يدفع المنظومة نحو “نموذج المدارس الخاصة” الذي يكرس الفوارق الطبقية، مؤكدا أن قانون 2022 يتضمن نواقص قانونية تستوجب نقاشا عميقا قبل التنزيل الفعلي.
بدوره، انتقد علي لطفي، رئيس الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة، إسناد تسيير المجموعات الصحية لأساتذة جامعيين، مؤكدا أن هذا النموذج “غير مسبوق عالميا”.
وأوضح أن إقحام الأكاديميين في تدبير “مقاولات صحية” ضخمة تضم ملايين السكان يشتت دورهم في التأطير الطبي ويشل التسيير الإداري.
وكشف لطفي عن مفارقة وصفها “بالصادمة” تتمثل في توجيه 91% من نفقات “أمو” (AMO) للقطاع الخاص، مقابل 7% فقط للمستشفيات العمومية، معتبرا ذلك “تدميرا ممنهجا” للقطاع العام لصالح الخصخصة الممولة من طرف الدولة.
ومن جانب آخر، أكد عبد القادر طرفاي، الكاتب الوطني للنقابة الوطنية للصحة (CGT)، أن شعارات “نقص الموارد” تتكرر منذ الثمانينيات، واصفا الإصلاح الحالي بأنه انتقال من “سيئ إلى أسوأ”.
وحذر من ظهور “ديناصورات استثمارية” تبتلع القطاعين العام والخاص، مشيرا إلى أن المشروع صُمم لاعتبارات مالية تهدف للتخلص من ثقل كتلة الأجور عبر نظام التعاقد.
من جهته، سجل مصطفى جعي، الكاتب الوطني للنقابة المستقلة للممرضين، تعثرا في تنزيل الخريطة الصحية، منتقدا السرعة في إصدار مراسيم التدبير مقابل تماطل المراسيم ذات الطابع الاجتماعي.
وحذر من أن فشل هذه المجموعات قد يكون ذريعة لتحويلها إلى “شركات مساهمة”، مما يعني خصخصة القطاع بالكامل وضرب الحق الدستوري في العلاج.
وخلص المشاركون إلى أن غياب وزارة الصحة عن هذا النقاش يعكس ارتباكا رسميا، حيث تظل تجربة المجموعات الصحية الترابية تفتقر إلى دراسات علمية أو تقييم حقيقي، مما يجعل “الضبابية” هي السمة الطاغية على ورش تم تسويقه كإصلاح جذري للخدمات الصحية.

