مع دنوِّ المواعيد الكبرى، وحين تبدأ عقاربُ الساعة السياسية في الدوران على إيقاع “العد العكسي”، تنفض طنجة عنها غبار السكون لتدخل في صخب “التحركات الخفية”.
خلف الكواليس، وفي الردهات المظلمة والمقاهي التي لا تنام، تُنسج خيوطُ التحركات، وتتحول المدينة من فضاء للعيش المشترك إلى رقعة شطرنج كبرى، الكل فيها يسعى لترتيب بيادقه قبل فوات الأوان.
سؤالٌ يتردد في المقاهي الشعبية وفي أحياء عاصمة البوغاز، وعلى طول الكورنيش الذي يلفّ “عروس الشمال” بذراعين من بحر: هل هذا التحرك الذي يسبق العواصف الانتخابية نابعٌ من “هيام” خالص بتراب هذه المدينة، أم أنه “غزلٌ” سياسي تفرضه ضرورات المرحلة؟
إن المتمعن في المشهد السياسي الطنجاوي، يدرك أن العلاقة بين المنتخب والمدينة هي علاقة مركبة، لا يمكن حصرها في زاوية ضيقة من “العداء” أو “الموالاة”.
فالمنتخبون، في نهاية المطاف، هم أبناء هذه التربة، وهم جزء من نسيجها السوسيو-سياسي.
لكن “نار” الافتتاحيات تفرض علينا أن نتساءل بمرارة: لماذا لا يستعر هذا الحب إلا حين تقترب صناديق الاقتراع؟ ولماذا لا تنشط “كيمياء” التواصل بين المسير والساكنة إلا عندما يلوح في الأفق بريق “الولاية” الجديدة؟
جميلٌ أن نرى المنتخبين يجوبون الدروب ويتواصلون ويجلسون في المقاهي الشعبية، ويصغون لنبض الشارع، ويتحسسون آلام “طنجة العالية”.
لكن الأجمل هو أن يتحول هذا “التحرك” من تكتيك انتخابي عابر إلى استراتيجية تنموية دائمة.
فطنجة، بتاريخها الضارب في عمق الزمن، وبموقعها الذي يغازل القارتين، لا تحتاج إلى “عشاق موسميّين” يرحلون مع رحيل الحملات ثم يغلقون هواتفهم المحمولة، بل تحتاج إلى “بناة” يدركون أن حب المدينة يُقاس بما نتركه من أثر في حياة الناس، لا بما نحشده من أصوات في القاعات المغلقة.
إننا اليوم، وبعيدا عن أي حكم قيمة مسبق، نضع “المنتخب” أمام مرآة مسؤوليته التاريخية.
التحركات في الكواليس مقبولة كجزء من اللعبة الديمقراطية، لكن بشرط ألا تظل حبيسة “الكواليس”.
نريدها تحركات تنعكس على جودة الإدارة، وعلى نظافة الشوارع، وعلى كرامة المواطن الطنجاوي الذي سئم من الوعود التي تُشبه “زبد البحر”.
هل يحب المنتخبون طنجة؟ الجواب ليس في التصريحات الرنانة، ولا في “الولائم” السياسية التي تُقام هنا وهناك.
الجواب موجود في تفاصيل المشاريع المتعثرة، وفي أحلام الشباب الضائعة بين الميناء والمدينة، وفي تلك “الغصة” التي يشعر بها كل غيور يرى طنجة قادرة على العطاء، لكنها مكبلة بـ “حسابات” ضيقة.
ليكن هذا “التحرك” الانتخابي فرصة للمصالحة مع المدينة، وليس مجرد سباق نحو الكراسي.
فالمناصب زائلة، وطنجة هي الباقية.. فهل من معتبر؟

