من مدينة تطوان، الحاضرة المغربية ذات الامتداد التاريخي العميق نحو الأندلس وشرق إسبانيا، تبلورت التجربة الفنية لنادر نخشة، الذي نشأ في بيئة تتقاطع فيها الذاكرة العربية والأمازيغية والأوروبية، ليس بوصفها موروثا ساكنا، بل كحياة يومية تنعكس في المعمار واللغة وأنماط العيش. هذا التعدد الحضاري لم يكن خلفية فقط، بل أصبح جوهر مشروعه الفني.
في أعماله التي تتوزع بين الرسم، التركيب، والأعمال الغرافيكية، يشتغل نخشة على لغة بصرية رمزية، تتسم بالاقتصاد في الألوان والعمق في الدلالة. ألوان ترابية، إشارات كاليغرافية، وأشكال متكسرة تحيل على الجغرافيا المشتركة، وعلى الهجرة والصمت واللقاء، دون الوقوع في فخ الحنين أو القطيعة المصطنعة مع المعاصر.
وتندرج أعماله ضمن تصور يرى في الفن جسراً للتقارب الإنساني، وهو ما يتجلى بوضوح في عمله «غصن الفهم»، الذي يشكل تحية رمزية لكل من يؤمن بأن الإبداع قادر على تجاوز الحدود. فالعمل، المنجز بمزيج من الطلاء والتربة والعناصر النباتية، يجسد قوة العلاقة التاريخية بين المغرب وإسبانيا، ويستحضر حوارا حضاريا يتغذى من جذور مشتركة ويتطلع إلى المستقبل.
ولا يتوقف مشروع نخشة عند البعد الجمالي، بل يطرح رؤية فكرية تعتبر المتوسط فضاء مشتركا لا خطا فاصلا.
ففي سياق عالمي موسوم بتصاعد خطاب الحدود والهجرة، يقترح الفنان الفن كمساحة للإنصات والترجمة الثقافية، وكوسيلة لإعادة فهم الآخر خارج الصور النمطية.
هذا الوعي قاده إلى المشاركة في عدد من المعارض والمشاريع الفنية بإسبانيا، خصوصا في جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية، حيث لقيت أعماله اهتماما خاصا لقدرتها على بناء جسور رمزية بين الضفتين. كما ارتبط مساره الفني بمبادرات للتعاون الثقافي المغربي الإسباني، مكرسا دور الفنان كوسيط بين واقعين متقاربين جغرافيا، لكن غالباً ما يُساء فهمهما.
متوسط إنساني بعيد عن الصورة السياحية
على خلاف الصورة النمطية للمتوسط كفضاء سياحي مؤثث بالبطاقات البريدية، يشتغل نادر نخشة على بعد إنساني ورمزي. فالبحر حاضر في أعماله كذاكرة، كعبور، كجرح، وكأمل، لا كمنظر للزينة. إنه بحر معيش، يحمل آثار التاريخ وحكايات البشر.
وتتقاطع هذه الرؤية مع مناطق متوسطية مثل كوستا دورادا وكوستا بلانكا، ليس من باب الجغرافيا المباشرة، بل من خلال التجربة المتوسطية المشتركة، حيث الضوء، والتاريخ، والتبادل، وهوية تشكلت عبر طبقات ثقافية متعددة.
صوت فني في لحظة متوسطية حرجة
يمثل نادر نخشة جيلا من الفنانين الذين ينظرون إلى المتوسط باعتباره شبكة علاقات إنسانية وتاريخية، لا مجرد خرائط سياسية.
أعماله دعوة لإعادة اكتشاف ثقافة مشتركة لا تزال حية في الرموز والأشكال والإيماءات.
وفي زمن يعود فيه المتوسط إلى الواجهة لأسباب مأساوية، تذكر تجربة نخشة بأن هذا الفضاء كان، ولا يزال، مجالا للإبداع والتلاقح والحوار، وأن الفن قادر على إعادة الاعتبار للبعد الإنساني في منطقة أنهكتها الصراعات وسوء الفهم.
منقول بتصرف : artmediterranean.com

