بقلم حمزة ابراهيمي : الكاتب الجهوي للنقابة الوطنية للصحة العمومية بجهة طنجة تطوان الحسيمة
بعد أسبوع كامل من الصمت الثقيل، عدت إلى القلم وقد خمدت نار الهزيمة، لكن جمرها ظل دافئا في الذاكرة. أسبوع من الأحاسيس المتضاربة، ومن نقاش داخلي لا يهدأ، كانت خلاله مشاهد ضياع لقب كأس إفريقيا، وضربة الجزاء التي أهدرها دياز، تقتحم نفسي كلما حاولت تجاوز اللحظة.
غير أن الألم الأكبر لم يكن رياضيا فقط، بل أخلاقيا وإنسانيا، حين ترافقت المباراة النهائية مع مشاهد عنف مؤلمة، وحملة استهداف ممنهجة للمغرب، قادها بعض الجيران عبر تشويه الصور، وترويج الأكاذيب، ومحاولات بائسة لتحريف الحقيقة. ظل هذا الالتباس يثقل الوجدان، إلى أن جاء بلاغ الديوان الملكي، فكان بمثابة ضوء هادئ بدد الضباب، وأعاد ترتيب المشاعر، ووضع الحدث في حجمه الحقيقي، بين خسارة عابرة، وربح أعمق اسمه الحكمة والاتزان.
لم تكن الدورة الخامسة والثلاثون لكأس إفريقيا للأمم، التي احتضنتها المملكة المغربية، مجرد تظاهرة رياضية ناجحة، بل كانت مرآة صادقة لمغرب اليوم، مغرب التنظيم المحكم، والانفتاح الواثق، والطموح الإفريقي الواضح. نجاح لم يأت من فراغ، بل هو ثمرة رؤية استراتيجية بعيدة المدى، جعلت من الرياضة رافعة للتنمية، ومن الإنسان محورا لكل السياسات العمومية.
وقد عبر بلاغ الديوان الملكي، الصادر في أعقاب هذا الحدث القاري، عن هذا المعنى العميق، حين نوه جلالة الملك بكافة مكونات الأمة التي أسهمت، كل من موقعه، في إنجاح هذه المحطة التاريخية، مؤكدا أن هذا النجاح لم يكن مغربيا فحسب، بل إفريقيا بامتياز.
غير أن هذا العرس القاري، ورغم إشعاعه الدولي، لم يخل من محاولات تشويش واستهداف، اتخذت أحيانا طابعا تحريضيا وإعلاميا، وبلغت ذروتها في مشاهد مؤسفة رافقت الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية.
وهي أحداث، وإن كانت مدانة في كل الأعراف الرياضية والأخلاقية، فإن التعامل معها يظل اختبارا حقيقيا لمدى نضج الدول وقدرتها على التمييز بين الدفاع المشروع عن مصالحها، والانزلاق إلى ردود فعل تخدم خصومها أكثر مما تخدمها.
في هذا السياق، يكتسي الموقف الملكي دلالة بالغة، إذ شدد جلالة الملك على أن روابط الأخوة الإفريقية ستظل أقوى من الانفعالات الظرفية، وأن المغرب، وهو يعتز بإنجازه، يرفض أن يكون نجاحه سببا في القطيعة أو العداء، بل جسرا لتعزيز التقارب والتعاون داخل القارة.
فالمغرب، كما أكد البلاغ، كان وسيظل بلدا إفريقيا كبيرا، وفيا لقيم التضامن والاحترام المتبادل، ومدافعا عن إفريقيا موحدة ومزدهرة. وهو اختيار استراتيجي لا تحكمه الحسابات الضيقة، بل رؤية شاملة تعتبر أن قوة المغرب من قوة محيطه، وأن إشعاعه لا يكتمل إلا بإشعاع قارته.
إن أخطر ما قد يواجهه المغرب اليوم، ليس الحملات الخارجية وحدها، بل الانسياق الداخلي وراء خطابات الكراهية والعنصرية، التي تتنافى مع تاريخ المغرب وهويته المتعددة، ومع اختياره الحقوقي والإنساني الراسخ. فالمغرب لم يكن يوما بلد الإقصاء أو الانغلاق، بل فضاء للتعايش، وملتقى للثقافات، وجسرا بين إفريقيا وأوروبا والعالم.
من هنا، فإن الدفاع الحقيقي عن صورة المغرب ومصالحه، يمر عبر التمسك بالحكمة، وتقوية الجبهة الداخلية بالقيم، وتحصين الوعي الجماعي من السقوط في فخاخ الاستفزاز. إنها معركة صورة وسردية، تكسب بالعقل لا بالغضب، وبالثقة لا بالصراخ.
لقد ربح المغرب رهان التنظيم، وربح احترام العالم، ويبقى الرهان الأكبر هو الحفاظ على ما يميزه، دولة أمة، تعرف وزنها، وتحسن الدفاع عنه، دون أن تفقد بوصلتها الأخلاقية أو عمقها الإفريقي.

