زيد اللغميش الحداد باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية والرقمنة
لم يكن نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب مجرد مباراة كرة قدم تنتهي بصافرة حكم وتتوج بكأس، بل كان لحظة كاشفة لتوازنات أعمق، تتقاطع فيها الرياضة بالسياسة، والاعتراف الدولي بالخذلان القاري، والصورة الرمزية بالفعل الاستراتيجي بعيد المدى.
خسر المغرب الكأس في النهائي، نعم، لكن الخسارة كانت رياضية فقط. أما الخسارة الحقيقية، فهي تلك التي منيت بها إفريقيا، حين عجزت عن مكافأة بلد احتضن القارة بقلب مفتوح، ووضع إمكاناته المادية والبشرية والتنظيمية لإنجاح واحدة من أفضل نسخ كأس أمم إفريقيا في تاريخها.
لقد قدم المغرب أكثر من مجرد بنية تحتية وملاعب؛ قدم نموذجا للدولة التي تؤمن بأن الرياضة رافعة للتنمية ووسيلة للتقارب بين الشعوب.
غير أن ما وقع بعد النهائي، من مواقف وتصريحات وسلوكيات، كشف عن مفارقة مؤلمة: إفريقيا التي استفادت من التنظيم المغربي، لم تُجِد حفظ المعروف، ولم تُظهر ما يليق من تقدير سياسي ورمزي لدور المغرب. بدا وكأن القارة، مرة أخرى، تعجز عن الإنصاف، حتى حين يكون الإنجاز واضحا والنجاح ملموسا بشهادة العالم.
وفي مقابل هذا الخذلان القاري، جاء الاعتراف الدولي من خارج القارة، أكثر وضوحا ودلالة. دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لانضمام المغرب إلى مجلس السلام كعضو مؤسس، بقيادة الملك محمد السادس، لم تكن حدثا معزولا ولا مجاملة ظرفية، بل تعبيرا عن مكانة راكمها المغرب بهدوء وثبات.
إنها رسالة مفادها أن الدولة التي تنجح في تنظيم حدث قاري بهذا الحجم، وتدير ملفات الأمن والاستقرار والدبلوماسية بحكمة، هي دولة مؤهلة للمساهمة في صياغة الأمن والسلام على المستوى الدولي.
هنا تتجلى المفارقة الكبرى: إفريقيا تخذل، والعالم يعترف. كرة القدم تخذل، والدبلوماسية تنتصر. الكأس تضيع، لكن المكانة ترتقي.
فالمغرب، بقيادة الملك محمد السادس، لم يعد يبحث عن الاعتراف داخل دائرة ضيقة تحكمها الحسابات الظرفية، بل أصبح فاعلا موثوقا في معادلات إقليمية ودولية أكبر، حيث تُقاس الدول بقدرتها على التنظيم، وبحكمتها في إدارة الأزمات، وبمصداقيتها كشريك في السلام.
لقد خرج المغرب من نهائي 2025 بلا كأس، لكنه خرج بصورة دولة ناضجة، واثقة، قادرة على تحويل الرياضة إلى قوة ناعمة، والخسارة إلى ربح استراتيجي. وربما كان الدرس الأبلغ أن التاريخ لا يكتبه من يرفع الكؤوس فقط، بل من يصنع المسارات، ويكسب احترام العالم، حتى حين يخسر داخل الملعب.
في النهاية، قد تنسى الذاكرة من فاز بالكأس، لكنها لن تنسى من صنع الحدث.. والمغرب صنع الحدث بامتياز.

