بقلم أنوار بن التهامي
في زمن تتسارع فيه المعلومات وتنتشر الصور والفيديوهات في ثوان، لم تعد الحروب تقتصر على الميادين، بل أصبحت تشن في كل هاتف ذكي وحساب إلكتروني. الحروب الرقمية تدق طبول الفتنة، والذباب الإلكتروني يحرق شعوبنا، مستخدما الرياضة وشائعاتها سلاحا لإشعال الكراهية.
لن نعود إلى أحداث النهائي. من يصرّ اليوم على اجترارها لا يدافع عن حق ولا عن كرامة رياضية. ما حدث انتهى، واستغلاله اليوم ليس بريئًا.
ما يجري على وسائل التواصل الاجتماعي ليس غضبا شعبيا عفويا.
هذه حملة ممنهجة ومنظمة ومؤدى عنها، هدفها واضح: زرع العداء بين المغاربة والمصريين أولًا، ثم جر السنغاليين إلى دائرة الكراهية. هذه صناعة كراهية رقمية يديرها عقل بارد وتنفذها أصابع منفعلة.
يكفي تصفح الصفحات التي تتصدر “الدفاع عن الوطن” لتكتشف نفس القالب المكرر: عناوين تحريضية، لغة استفزازية، تعطيل التعليقات، وحسابات تدعي الانتماء لمصر أو المغرب. الواقع يكشف الحقيقة بسرعة: حسابات جديدة، أصدقاء محدودون، نشاط مكثف في اتجاه واحد. هذا هو الذباب الالكتروني الذي يحرك الحروب الرقمية، لا يمثل شعوبًا ولا رأيا عاما، بل ينفذ مهمة.
أعيد فجأة وبقوة الحديث عن الاتفاقية العسكرية بين المغرب وإثيوبيا. الحقيقة واضحة: الاتفاقية ليست كذبة، وقد وقعت منذ مدة، لكنها لم تفعل عمليًا. المشكل الحقيقي هو اختيار هذا التوقيت لإعادة نفخ الموضوع، وكأنه رد فعل سياسي آني. هذا يطرح علامات استفهام حول من يستفيد من تسميم الأجواء.
تزامن نشر هذه الأخبار مع حديث رسمي عن اتفاقيات اقتصادية كبرى بين المغرب ومصر، تحت إشراف رئيسي الدولتين. السؤال مشروع: من يربك التقارب؟ ومن يستفيد من إشعال نار الفتنة؟
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. انتشرت إشاعة تقول إن مغاربة قتلوا مشجعًا سنغاليًا بالسلاح الأبيض. إشاعة نفتها السلطات نفيًا كاملًا، لكن الهدف لم يكن الحقيقة، بل إشعال الغضب وتحريك الرأي العام.
النتيجة واضحة: خطاب عنصري فج، دعوات لطرد الأفارقة، وشباب ينساق خلف هذا المستنقع باسم “الوطنجية”. من يروّج للعنصرية لا يحمي الوطن، بل يسيء إليه ويقدم هدية مجانية لأعدائه.
المغاربة والمصريون والسنغاليون ليسوا أعداء، ولم يكونوا كذلك أبدًا. روابطهم التاريخية والثقافية والإنسانية أقوى من مباراة كرة قدم، وأعمق من ترند عابر. تحويل الرياضة إلى وقود كراهية خيانة للعقل قبل كل شيء.
في زمن الفوضى الرقمية، الخطر ليس في الملاعب ولا في المدرجات، بل في الهاتف. الشائعة اليوم سلاح، والتوقيت الخاطئ أخطر من الكذبة نفسها.

