”المغرب جزيرة، وعلينا أن نستخرج من ذلك كل النتائج.. قدرنا هو أننا جزيرة ويجب أن نتصرف كسكان جزيرة”، لم تكن هذه الكلمات التي ختم بها المفكر المغربي عبد الله العروي أحد لقاءاته النادرة مجرد ترف فكري أو استعارة جغرافية عابرة؛ بل كانت، وكأنها نبوءة سياسية واجتماعية تجسدت بكل قسوة وواقعية ليلة أمس، ونحن نودع حلما قاريا انتظرناه لخمسين عاما.
في المشهد الختامي لبطولة استضافها المغرب فأبدع، ونظمها فأبهر، وجدنا أنفسنا أمام مرآة الحقيقة العارية، لم تكن الخسارة أمام السنغال مجرد تعثر كروي، رغم مرارة الهدف القاتل ورغم غصة ركلة الجزاء الضائعة التي كانت ستضعنا، لو أنصفتنا الأقدار، على عرش إفريقيا لأول مرة منذ جيل السبعينيات. ما حدث أمس كان درسا بليغا في “العزلة” التي تحدث عنها العروي.
تابعنا بألم كيف تحولت الروح الرياضية إلى عملة نادرة في سوق النخاسة الكروية.. رأينا كيف واجه “أسود الأطلس” استفزازات ممنهجة داخل المستطيل الأخضر، وتلويحا صبيانيا بالانسحاب لمجرد إعلان ضربة جزاء مشروعة، في مشهد يعكس عنجهية غير مبررة للأطر التقنية للخصم. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد العبث إلى المدرجات، حيث حاول الجمهور السنغالي تخريب العرس الكروي واقتحام الملعب لولا حكمة ويقظة القوات العمومية التي أنقذت الموقف.
لكن، وإذا كان ما صدر من الضيوف يمكن ابتلاعه على مضض تحت مسمى “حماسة المنافسة”، فإن ما صدر عن “الجيران” لا يمكن وصفه إلا بالسقوط الأخلاقي المدوي.
لقد كشفت هذه البطولة، التي غبنا عن مباراتها النهائية منذ ملحمة تونس 2004، عن الوجه القبيح للحقد المجاني، بينما كان المغرب يرفع سقف التحدي التنظيمي عاليا، ويقدم للقارة بنية تحتية تضاهي العالمية، كان هناك من يتربص بنا الدوائر في الجوار.. جيشوا ذبابهم الإلكتروني، وسخروا قنواتهم لتبخيس العمل الجبار الذي أنجزته بلادنا، واحتفلوا بخسارتنا وكأنها انتصارهم الوطني الوحيد.
لقد تابعنا حملات التشويش، وإطلاق الإشاعات، ومحاولات تسميم الأجواء طيلة أيام البطولة القارية، وحين سقطنا كرويا بشرف المحاولة، ارتفعت زغاريد الشماتة في عواصم الجوار، في مشهد سريالي يؤكد أن عقدة “المغرب” قد استعصت على الحل، وأن نجاحنا في التنظيم كان يؤلمهم أكثر مما كان يسعدنا.
اليوم، ونحن نستفيق على وقع هذه الخسارة المرة، يجب أن نعود إلى حكمة العروي.. نعم، نحن جزيرة معزولة وسط محيط متلاطم من الأطماع والأحقاد، نجاحنا يزعجهم، وتطورنا يقلقهم، وحتى تعثرنا يعتبرونه عيدا.
الدرس المستفاد من نهائي أمس ليس كرويا فحسب، بل هو درس وجودي بامتياز.. علينا أن نتصرف كسكان جزيرة؛ نعول على سواعدنا، نبني حصوننا، ونمضي في طريقنا دون الالتفات إلى الوراء، لأننا أدركنا، بما لا يدع مجالا للشك، أننا في مواجهة المصير وحدنا، وأن ضريبة النجاح في هذا الركن من العالم هي أن تكون محاطا بمن يتمنى فشلك.. حتى في لعبة كرة القدم.

