أكد أنس سعدون، عضو نادي القضاة والأستاذ الباحث بالمعهد العالي للقضاء، أن النقاش حول العقوبات البديلة لا ينبغي أن يُقدم بوصفه حلا منزلا من السماء، بل كجزء لا يتجزأ من المنظومة الجنائية، مشددا على أن مطلب إدراج هذا النوع من العقوبات يعود إلى أزيد من 20 سنة، غير أن تنزيله اليوم يتم في سياق تشريعي يعاني اختلالات بنيوية.
وجاءت مداخلة سعدون خلال ندوة نظمت الأسبوع الجاري، ببيت الصحافة، حول موضوع “العقوبات البديلة بين التنزيل والتفعيل”، حيث توقف عند ما اعتبره “الإشكال الحقيقي” الذي لا يرتبط بالعقوبات البديلة في حد ذاتها، وإنما بالمنظومة الجنائية ككل.
وفي هذا السياق، أوضح المتدخل أن المغرب يعاني من تضخم تشريعي واضح، مبرزا أن المشرع يلجأ، كلما ظهر خطر جديد أو فعل يُحدث اضطرابا اجتماعيا، إلى اعتماد العقوبة السالبة للحرية كجواب تشريعي شبه وحيد. وأضاف أن هذا التوجه أفرز منظومة عقابية قائمة أساسا على السجن، إلى درجة أن السؤال عن عدد الجرائم التي تتضمن عقوبة سالبة للحرية أصبح، حسب تعبيره، سؤالا محيرا “حتى الذكاء الاصطناعي يعجز عن إعطاء جواب دقيق عنه”.
واستحضر سعدون، في هذا الإطار، مجموعة من الأمثلة الدالة، من بينها شغب الملاعب، والغش في الامتحانات، وكذا خرق تدابير الطوارئ الصحية خلال جائحة “كوفيد-19”، حيث تم التعامل مع هذه الأفعال بمنطق العقوبة السالبة للحرية، رغم اختلاف طبيعتها وسياقاتها. وهو ما اعتبره دليلا على أن الفلسفة الجنائية السائدة ما تزال تربط الردع بالعقاب السجني.
ومن جهة أخرى، شدد القاضي والباحث على أن تنزيل قانون العقوبات البديلة كان يفترض أن يسبقه إصلاح شامل للمنظومة الجنائية، بما يضمن انسجاما تشريعيا ومنطقا عقابيا واضحا، محذرا من أن غياب هذه المراجعة الشمولية أفضى إلى بروز تناقضات تشريعية تعيق حسن التفعيل.
وفي هذا الصدد، أحال سعدون على خلاصات تقرير النموذج التنموي، الذي سجل أن منظومة العدالة، رغم الإصلاحات السابقة، ما تزال تعاني إشكالات جوهرية، أبرزها صعوبة توقع الأحكام القضائية، وعدم دقة بعض النصوص القانونية، وتفاوتها مع الواقع والممارسة. واعتبر أن هذه الوضعية تعمق مخاوف المواطنين بشأن الهوة القائمة بين النص القانوني والتطبيق العملي.
كما انتقد المتدخل منطق التعديلات الجزئية، معتبرا أن المشرع غالبا ما يتدخل لمعالجة إشكالات ظرفية دون ملاءمة هذه التعديلات مع المنظومة الجنائية ككل، وهو ما يؤدي، بحسبه، إلى تراكم التناقضات بدل معالجتها من الجذور.
وأكد أنس سعدون مداخلته بالتأكيد على أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في العقوبات البديلة في حد ذاتها، بل في غياب مراجعة عميقة لفلسفة العقاب، مشددا على أن أي إصلاح جزئي، دون إعادة نظر شاملة في المنظومة الجنائية، سيظل عاجزا عن تحقيق الأهداف المرجوة.

