تحولت الندوة التي نظمتها الكتابة الجهوية لحزب العدالة والتنمية بطنجة، أمس الجمعة، إلى منصة للمكاشفة السياسية والتقنية حول النموذج التدبيري الجديد لقطاع الماء والكهرباء، حيث أجمع المتدخلون على أن الانتقال نحو “الشركات الجهوية متعددة الخدمات” يكتنفه الغموض ويحمل في طياته مخاطر “خصخصة مقنعة” قد ترهق جيوب المواطنين وتُفرغ المؤسسات المنتخبة من أدوارها الدستورية.
تحديات “الفوترة” وشبح الخوصصة:
افتتح الندوة الكاتب الإقليمي للحزب محمد بوزيدان، واضعا يده على جرح التدبيري لمدينة طنجة التي عاشت أنماطا متعددة من التسيير، محذرا من تكرار “سقطات” التجارب السابقة خاصة في مجالات الخدمات الإدارية والفوترة والاستثمار.
وتساءل بوزيدان بنبرة غلب عليها التوجس: “هل نحن أمام عملية مغربة حقيقية للقطاع، أم أننا بصدد تسليعه وفتحه أمام الفرنكوفونية الاقتصادية؟”، مشيرا إلى أن بوادر الإشكالات بدأت تظهر فعليا في مناطق كالحسيمة وبعض الأقاليم المجاورة.
التوجس من “أمانديس” بنسخة مغربية:
من جانبه، قارب الإعلامي والمستشار الجماعي خالد اشطيبات الملف من زاوية “الأمان الاجتماعي”، معتبرا أن إسناد قطاع حيوي لشركة تبتغي الربح بالدرجة الأولى يطرح علامات استفهام كبرى حول مصير الثقة بين المواطن والمؤسسة.
ونبه اشطيبات إلى أن نسبة الـ 10% في رأسمال الشركة خلقت حالة من “الارتياب”، متسائلا: “هل نحن أمام أمانديس أخرى بصيغة مغربية؟”، ومنبها إلى خطورة الفواتير الخيالية وضبابية القوانين المنظمة التي قد تُثقل كاهل المواطنين.
الحكامة الغائبة ومبررات وزارة الداخلية:
وفي قراءة تقنية معمقة، استعرض الخبير في الحكامة الترابية عبد اللطيف جبراني، الاختلالات التي شابت الانتقال من نظام “الوكالات المستقلة” إلى الشركات الجديدة، مؤكدا أن الوكالات السابقة لم تكن فاشلة بنيويا، بل كانت ضحية “سوء التدبير وغياب الرقابة الصارمة”.
ودعا جبراني إلى تبسيط المساطر للمواطنين، خاصة في العالم القروي الذي لا يزال يعيش على وقع “الغموض” في منظومة الفوترة الجديدة، مطالبا بنقاش وطني شفاف بين الدولة والمواطن.
حيكر: “لا يجوز الخطأ في مرفق الأمن القومي”:
وفي ذروة النقاش، أكد النائب البرلماني عبد الصمد حيكر أن طبيعة المرفق “حساسة ومرتبطة بالأمن القومي”، مشددا على أنه “يجوز الخطأ في تدبير النفايات، لكن لا يجوز الخطأ في تدبير الماء والكهرباء”.
وكشف حيكر عن كواليس الحوار مع وزارة الداخلية، مؤكدا أن حزب العدالة والتنمية صوت ضد المشروع لغياب دراسات الأثر والجدوى، متسائلا عن مصير مخرجات الدراسة التي زعمت الوزارة إجراءها للفصل بين وظائف الإنتاج والتوزيع والتي لم يطلع عليها البرلمان.
الانتخابات والسيادة: تحذير من “النفق المظلم”:
وفي خضم النقاش، ربط عبد الصمد حيكر بين استلاب أدوار المنتخبين وهدم الجدار الديمقراطي، محذرا من أن تحويل قطاعات حيوية كتدبير الماء والكهرباء إلى شركات جهوية هو تسليع للأمن القومي وتفريط في السيادة الاجتماعية تحت غطاء “تدبير مفوض مطور”.
وأوضح حيكر أن إفراغ المؤسسات المنتخبة من صلاحياتها الرقابية والتدبيرية يدفع بالبلاد نحو “نفق مظلم”، حيث ستقف الجماعات الترابية عاجزة عن محاسبة هذه الشركات.
وشدد على أن تحصين الجبهة الداخلية يمر حتما عبر صون كرامة المواطن في خدماته الأساسية وتكريس دور المنتخبين كصلة وصل حقيقية، لا كواجهات صورية.
واختتمت الندوة بفتح باب النقاش الذي عكس حجم الانتظارات والتوجسات لدى الرأي العام المحلي بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، حيث ظل التساؤل قائماًحول مدى قدرة النموذج التدبيري الجديد على الموازنة بين النجاعة الاقتصادية وصون الخدمة العمومية.
وبينما يرى منتقدو التجربة أنها مقامرة بالمرفق العام وخصخصة مقنعة، تراهن الدولة على هذه الشركات لتجاوز عجز الاستثمارات وتوحيد أنماط التدبير.

