تعيش مدينتا المضيق ومرتيل، في الأيام الأخيرة، على وقع قرارات متضاربة ومواقف متباينة بين مؤسسات منتخبة وجهات وصية، أعادت إلى الواجهة سؤال الحكامة في تدبير الشأن المحلي، خاصة في قطاع حساس مثل النقل المدرسي، الذي يرتبط مباشرة بحق الأطفال في التعليم وضمان تكافؤ الفرص.
القصة بدأت حين أصدرت جماعة مرتيل قرارا مفاجئا يقضي بتوقيف العمال الموسميين عن العمل، في خطوة أثارت انتقادات واسعة من داخل وخارج المجلس.
ورغم تسرّب أخبار تفيد بتراجع الجماعة عن القرار، فإن “طنجة+” لم تتوصل، حتى لحظة إعداد هذا التقرير، بأي وثيقة رسمية تؤكد فعلا هذا التراجع، رغم أن وثيقة التوقيف كانت قد نُشرت في وقت سابق، ما جعل المتتبعين يتساءلون عن خلفيات هذه القرارات المتسارعة التي تُتخذ بطريقة “أحادية وفردية”، وفق وصف العديد من الفاعلين المحليين.
وفي خضم هذا الجدل، انتقلت عدوى القرارات المثيرة للجدل إلى مدينة المضيق، حيث فوجئ عدد من الآباء والأمهات بخبر نزل عليهم “كالصاعقة”، مفاده أن الحافلة المخصصة لنقل أبنائهم نحو المؤسسات التعليمية بجماعة العليين قد تم توقيفها عن العمل، دون سابق إنذار، رغم أن الأسر كانت قد أدّت واجبات الانخراط والمصاريف الشهرية للجمعية المشرفة على النقل المدرسي.
شراكة متعددة الأطراف
وفق المعطيات التي حصلت عليها “طنجة+”، فإن الحافلة المعنية كانت ثمرة شراكة موقعة بتاريخ 18 شتنبر 2025 بين مجلس عمالة المضيق الفنيدق وجماعة المضيق والمديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، إضافة إلى الجمعية المكلفة بتدبير عملية النقل المدرسي لفائدة 32 تلميذاً من دوار جبل زمزم و55 تلميذا من دوار سانية الطريس التابعين لنفوذ جماعة المضيق.
هذه الشراكة، التي كانت ثمرة تنسيق مؤسساتي مهم، نصت على أن تتكلف جماعة المضيق بأداء أجرة السائق وتوفير المحروقات، فيما التزم مجلس عمالة المضيق الفنيدق بتغطية مصاريف الصيانة، بينما ساهمت المديرية الإقليمية للتعليم بتوفير الحافلة نفسها.
غيرأن هذه “التجربة النموذجية” التي انتظرها سكان المناطق الجبلية بفارغ الصبر لم تعمّر طويلا، بعدما صدر قرار مفاجئ بوقف تشغيل الحافلة.
غضب الأسر ومخاوف من الهدر المدرسي
قرار التوقيف أثار استياء واسعا في صفوف الأسر المعنية، التي عبّرت عن قلقها من تداعيات هذا الوضع على مستقبل أبنائها، خصوصا وأن المسافة الفاصلة بين تلك الدواوير والمؤسسات التعليمية بالعليين طويلة ووعرة، ما يجعل التنقل اليومي شبه مستحيل بالنسبة للأطفال.
ويقول بعض الآباء، في تصريحات متطابقة، إنهم “قاموا بأداء جميع الرسوم المتفق عليها للجمعية”، مؤكدين أن “القرار غير مفهوم وجاء في وقت حرج تزامن مع بداية الموسم الدراسي ووسط توترات اجتماعية تعرفها بعض المدن المجاورة”.
ويحذر هؤلاء من أن “توقيف الحافلة سيؤدي لا محالة إلى هدر مدرسي واسع في صفوف التلاميذ، خصوصا الفتيات، في وقت تتحدث فيه الدولة عن تعبئة وطنية لمكافحة الهدر المدرسي وتشجيع التمدرس بالوسط القروي والجبل”.
شبيبة الاتحاد الدستوري تدخل على الخط
الأزمة دفعت المنسق الإقليمي لشبيبة حزب الاتحاد الدستوري بعمالة المضيق الفنيدق، محمد أشكور، إلى إصدار بلاغ شديد اللهجة، دعا فيه عامل الإقليم، ياسين جاري، إلى “التدخل العاجل من أجل إعادة الأمور إلى نصابها”، محذرا من مغبة ترك الوضع على حاله، خاصة “في ظل أحداث احتجاجات وشغب تشهدها مدن الشمال، يشارك فيها قاصرون وجدوا أنفسهم تائهين خارج أسوار المدارس”.
وقال أشكور إن “توقيف الحافلة، في هذا الظرف الحساس، مجازفة غير محسوبة، وتضر بمجهودات الدولة الرامية إلى حماية الأطفال من الهدر المدرسي والانخراط في مسارات الانحراف والهجرة السرية”.
جماعة المضيق ترد وتتّهم المدير الإقليمي
في المقابل، لم تتأخر جماعة المضيق في الرد، حيث أصدرت بيانا توضيحيا للرأي العام المحلي، نفت فيه ما وصفته بـ“المغالطات” التي نُشرت على الصفحة الرسمية لمجلس عمالة المضيق الفنيدق، معتبرة أن تلك التدوينات “تتضمن كذبا وبهتانا ومحاولة للتستر على من حاولوا بشتى الوسائل عرقلة عمل الحافلة”.
وقالت الجماعة إن تخصيص الحافلة تم باتفاق واضح بين المديرية الإقليمية للتربية الوطنية ومجلس العمالة والجماعة، التي التزمت بتوفير السائق والمحروقات، مضيفة أنها “وفرت فعلا السائق يوم الخميس 2 أكتوبر 2025، وتم تزويد الحافلة بالمحروقات لتشرع في العمل في اليوم الموالي، غير أن المدير الإقليمي للتعليم انتقل شخصيا إلى عين المكان وسحب مفاتيح الحافلة من السائق دون تقديم أي تفسير”.
وأكد البيان أن رئيس جماعة المضيق حاول الاتصال بالمدير الإقليمي للاستفسار عن سبب هذا السلوك، لكنه لم يتلق أي جواب، مضيفا أن رئيس مجلس العمالة نفسه “صرّح بعدم علمه بالموضوع”.
وختمت الجماعة بيانها بالقول إن “محاولة البعض عرقلة توفير وسيلة نقل لتلاميذ هذه الدواوير يمثل جريمة في حقهم، ويضرب في الصميم مبدأ العدالة المجالية وتكافؤ الفرص في الولوج إلى التعليم”.
مجلس العمالة يردّ ويستنكر
في السياق ذاته ردّ مجلس عمالة المضيق الفنيدق بدوره لم يتأخر، حيث أصدر بيانا توضيحيا جاء فيه أن “التدوينات المنشورة حول توقيف الحافلة جانبت الصواب وتفتقر إلى الدقة”، مشيرا إلى أن ناشريها “لم يتواصلوا مع المجلس أو مع المديرية الإقليمية للتربية الوطنية لتقصي الحقيقة”.
وأضاف البيان أن المجلس، بعد توصله بلائحة التلاميذ المستفيدين، عقد اجتماعا تنسيقيا حضرته كل الأطراف المعنية، وتم خلاله الاتفاق على وضع الحافلة رهن إشارة المجلس قصد توفير النقل المدرسي لتلاميذ جبل زمزم نحو جماعة العليين، مؤكدا أن “الحافلة ما تزال فعلا رهن إشارة المجلس ولم يتم سحبها أو توقيفها”.
واعتبر المجلس أن “إثارة الموضوع في هذا التوقيت بالذات يثير الريبة، ويبدو أنه جزء من حملة مغرضة تهدف إلى التشويش على جهود المؤسسات الساهرة على استتباب الأمن والنظام بالمنطقة”.
وختم البيان بدعوة كل الفاعلين ووسائل الإعلام إلى “تحري الدقة والصدق في نشر المعطيات، تفاديا لأي تضليل للرأي العام المحلي والوطني”.
سجال مفتوح ومخاوف متصاعدة
بين اتهامات متبادلة بين الجماعة ومجلس العمالة، وتوضيحات متناقضة بين البيانات الرسمية، يجد المواطن نفسه أمام مشهد ضبابي يصعب معه تحديد الجهة المسؤولة عن تعطيل الخدمة الحيوية.
ويرى عدد من المتتبعين أن ما وقع يعكس ضعف التنسيق بين المؤسسات المنتخبة والقطاعات الوزارية المعنية، بل ويكشف عن صراع خفي بين بعض المسؤولين المحليين حول من له “الوصاية المعنوية” على ملفات الشأن الاجتماعي والتربوي.
ويحذر فاعلون جمعويون من أن استمرار هذا الوضع دون تدخل عاجل من عامل العمالة قد يؤدي إلى “تفاقم أزمة الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم المنتخبة”، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى خطاب موحد يضع مصلحة التلاميذ فوق أي حسابات سياسية أو انتخابية.

