في توقيت يثير أكثر من علامة استفهام، اختارت جمعية أرباب مراكب الصيد البحري الساحلي بميناء طنجة توجيه رسالة إلى زكية الدريوش كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، تطالب فيها بإجراء تقييم شامل ومستقل وشفاف لحصيلة برنامج “أليوتيس” منذ إطلاقه سنة 2009، مع نشر نتائجه للرأي العام ومساءلة المسؤولين عن أي اختلالات قد يكشف عنها هذا التقييم.
وبقدر ما تبدو المطالب الواردة في الرسالة مرتبطة بالشأن المهني، فإن توقيتها يطرح أسئلة سياسية وانتخابية لا يمكن تجاهلها، خصوصا أن المغرب يوجد على بعد أيام قليلة من انطلاق الحملة الانتخابية الخاصة بالانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر الجاري.
فلماذا اختارت الجمعية، بعد مرور نحو 17 سنة على إطلاق برنامج “أليوتيس”، هذا التوقيت بالضبط لفتح ملف حصيلة البرنامج والمطالبة بافتحاصه ومساءلة المسؤولين عنه؟ ولماذا لم يتم طرح هذه المطالب بشكل مماثل خلال السنوات الماضية، سواء في عهد الحكومات السابقة أو خلال الفترات التي كان فيها القطاع يعيش، وفق تعبير عدد من المهنيين، صعوبات واختلالات متعددة؟
وتزداد علامات الاستفهام، بحسب متابعين للشأن المهني والسياسي بطنجة، بالنظر إلى طبيعة المشهد السياسي الحالي، خاصة أن رئيس الجمعية الموقعة على الرسالة ينتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، في الوقت الذي يوجد فيه تدبير قطاع الصيد البحري ضمن دائرة المسؤولية الحكومية لحزب التجمع الوطني للأحرار.
ولا يعني ذلك، بالضرورة، أن الرسالة تحمل طابعا انتخابيا أو أنها تشكل حملة سابقة لأوانها، غير أن تزامنها مع العد التنازلي لانطلاق الحملة الانتخابية يجعلها موضوعا مشروعا للتساؤل، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمطالب سياسية ثقيلة من قبيل “ربط المسؤولية بالمحاسبة” و”تحديد المسؤوليات” و”الافتـحاص المستقل” و”الشفافية في تدبير المال العام”.
كما يطرح تمثيل الجمعية نفسها سؤالا آخر لا يقل أهمية: هل تتحدث الرسالة باسم مجموع مهنيي قطاع الصيد البحري بطنجة، أم باسم جزء من المهنيين المنضوين تحت لوائها؟ فالمطالبة بإعادة تقييم سياسة عمومية وطنية بهذا الحجم تقتضي، في المقابل، معرفة مدى اتساع قاعدة التمثيلية التي تقف وراءها الجمعية، ومدى توافق باقي التنظيمات والمهنيين معها في تشخيصها ومطالبها.
والسؤال هنا ليس حول مشروعية المطالبة بتقييم برنامج “أليوتيس”، وهي مطالبة يمكن أن تكون مشروعة ومفيدة للقطاع، وإنما حول توقيت طرحها، والجهة التي تقف وراءها، والسياق السياسي الذي جاءت فيه، وما إذا كان الهدف منها مهنيا خالصا أم أنها تحمل، بشكل مباشر أو غير مباشر، رسائل انتخابية.
فإذا كان البرنامج قد بدأ سنة 2009، وكانت هناك اختلالات تستوجب التقييم والمساءلة، فلماذا ظل هذا المطلب مؤجلا طوال هذه السنوات؟ وإذا كانت الجمعية ترى أن حصيلة البرنامج تستوجب افتحاصا شاملا، فلماذا لم ترفع هذا المطلب في محطات مهنية سابقة، بدل طرحه في اللحظات الأخيرة التي تسبق الانتخابات؟
ثم إن مخاطبة المسؤولة الحكومية المنتمية إلى الحزب نفسه الذي ينتمي إليه رئيس الجمعية تفتح بدورها الباب أمام تساؤلات حول استقلالية الفعل المهني عن الفعل الحزبي، خصوصا في سياق انتخابي شديد الحساسية.
وقد يرى البعض في الرسالة تعبيرا عن ممارسة مهنية مشروعة ومحاولة للضغط من أجل إصلاح قطاع الصيد البحري، بينما قد يقرأها آخرون باعتبارها جزءا من دينامية سياسية مرتبطة بقرب الانتخابات.
وبين القراءتين تبقى الإجابة رهينة بمضمون التحركات المقبلة للجمعية، وبمدى استمرار هذا الضغط المهني بعد انتهاء الاستحقاق الانتخابي.
وفي انتظار ذلك، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا مطروحا أمام الرأي العام بطنجة: لماذا الآن؟ ولماذا بعد 17 سنة من إطلاق “أليوتيس”؟ وهل كان توقيت الرسالة مجرد صدفة مهنية، أم أن اقتراب موعد الانتخابات منح هذا الملف أولوية لم تكن له في السنوات الماضية؟
أسئلة مشروعة تنتظر أجوبة واضحة، خصوصا من أصحاب الرسالة أنفسهم، حتى لا تتحول المطالب المهنية المشروعة إلى مجرد ورقة ظرفية في سياق انتخابي لا يفصل عن بدايته سوى أيام معدودة.


