بقلم: محمد الطيب بوشيبة الباحث في مجال الطفولة والمنسق الوطني لمنظمة ماتقيش ولدي
لم تعد الهجرة الجماعية نحو سبتة ومليلية مجرد ظاهرة مرتبطة بشباب يبحثون عن مستقبل أفضل، ولا مجرد محاولات فردية للعبور نحو الضفة الأخرى.
ما حدث خلال الأسابيع الأخيرة، وخصوصًا موجة العبور الجماعي نحو سبتة في أواخر يوليوز 2026، يفرض علينا أن نتوقف طويلا أمام صورة أكبر وأشد خطورة: أطفال، يافعون، شباب، بل وحتى أسر وكبار سن، يتحركون جماعيًا نحو الحدود، وكأن المجتمع أمام حالة نزوح جماعي غير معلنة.
وقد تحدثت تقارير إعلامية عن تدفقات بشرية ضخمة خلال تلك الأيام، فيما تحدث المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وفق المعطيات التي تم تداولها إعلاميًا، عن عشرات الوفيات والمفقودين … مرتبطة بأحداث العبور. كما استمرت محاولات جديدة للعبور خلال شهر غشت، ما يؤكد أن الظاهرة لم تنتهِ بمجرد إيقاف موجة واحدة.
وهنا لا بد من طرح السؤال بصوت مرتفع:
هل نحن أمام ملف أمني فقط؟ أم أمام أزمة اجتماعية وإنسانية وتربوية ونفسية تستوجب تعبئة وطنية شاملة؟
أين الحداد الوطني على الضحايا؟
حين يسقط مواطنون مغاربة وهم يحاولون الوصول إلى سبتة أو مليلية، وحين يكون من بين المتضررين أطفال ويافعين، فإن المسألة تتجاوز أرقام الضحايا وتقارير الحوادث.
إنها مسألة إنسانية ووطنية.
فأين هو الاعتراف الرسمي بحجم المأساة؟
ولماذا لم نشهد، على الأقل، موقفًا وطنيًا واضحًا يترحم على الضحايا ويعبر عن مواساة أسرهم، ويعلن أن أرواح المغاربة ليست مجرد أرقام في بيانات الهجرة؟
لا يمكن أن نترك مصير موتانا للسلطات الموجودة في الجانب الآخر من الحدود، ثم نكتفي هنا بتتبع أرقام الموقوفين والممنوعين من العبور.
الموتى مغاربة، والأطفال مغاربة، والأسر مغربية، والأزمة تحدث على أرض مغربية.
أين هي حالة الطوارئ الاجتماعية والإنسانية؟
لا أقصد بالطوارئ بالضرورة إعلان حالة طوارئ أمنية أو استثنائية، وإنما أقصد حالة استنفار وطني مؤسساتي تتناسب مع حجم الظاهرة.
عندما يتحرك عشرات الآلاف من الأشخاص نحو نقطة حدودية خلال فترة زمنية قصيرة، وعندما يصبح الأطفال جزءًا أساسيًا من المشهد، فإن الأمر يستحق اجتماعًا حكوميًا استثنائيًا، وتعبئة للقطاعات الحكومية المعنية، وفتح خلية وطنية لتدبير الأزمة ودراسة أسبابها ونتائجها.
فأين وزارة الداخلية؟
وأين وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة؟
وأين وزارة الصحة؟
وأين وزارة التربية الوطنية؟
وأين وزارة الشباب؟
وأين وزارة العدل؟
وأين المؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الطفل؟
وأين الخبراء والباحثون وعلماء الاجتماع والأخصائيون النفسيون؟
هل يكفي أن نتعامل مع الظاهرة باعتبارها محاولة عبور غير قانونية؟
لماذا لم نرَ مخيمات إنسانية لاستقبال العائدين؟
كان من الممكن، بل ومن الضروري، أن نشاهد في المناطق القريبة من الفنيدق وسبتة ومليلية فضاءات استقبال مؤقتة ومنظمة، تتوفر فيها الخدمات الأساسية للعائدين، وخاصة الأطفال.
خيم أو مراكز استقبال مؤقتة.
ماء وغذاء وملابس.
رعاية صحية.
فحص طبي.
مواكبة نفسية.
مساعدة اجتماعية.
فضاءات خاصة بالأطفال.
مرشدون اجتماعيون وتربويون.
وأشخاص قادرون على الحوار مع هؤلاء الشباب والأطفال، وفهم دوافعهم وإقناعهم بالعدول عن المغامرة بحياتهم.
إن الطفل الذي يقطع مسافات طويلة، ويعرض نفسه للغرق أو الإصابة أو الموت من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى، لا يحتاج فقط إلى رجل أمن يمنعه من العبور.
إنه يحتاج إلى إنسان يستمع إليه.
أين الأخصائيون النفسيون والاجتماعيون؟
لقد ركزنا كثيرًا على المقاربة الأمنية، بينما ظل السؤال الاجتماعي والنفسي في الخلفية.
لكن ما الذي يدفع طفلاً إلى ترك أسرته ومدرسته وبيئته، والمغامرة بحياته؟
ما الذي يجعل شابًا يعتقد أن مستقبله لا يوجد إلا خلف السياج؟
ما الذي يجعل أسرة تقبل بأن يخاطر ابنها بحياته؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها الدوريات الأمنية.
تحتاج إلى علم النفس والاجتماع والتربية والاقتصاد والعمل الاجتماعي.
كان ينبغي أن تكون الجمعيات المهنية للأخصائيين النفسيين والاجتماعيين حاضرة في الميدان، إلى جانب المؤسسات العمومية، وأن تقدم تقييمًا سريعًا للحالة النفسية والاجتماعية للأطفال واليافعين، خصوصًا أولئك الذين عاشوا تجربة العبور أو الفشل فيه.
أين الصحافة؟
ومن الأسئلة التي تستحق الإجابة أيضًا:
لماذا تم التعامل مع الصحافة في كثير من الأحيان باعتبارها عنصرًا ثانويًا، بينما يمكن أن تكون جزءًا من الحل؟
الصحافة المهنية ليست عائقًا أمام الأمن.
والإعلام المسؤول لا ينبغي أن يكون مجرد ناقل لصور الفوضى والازدحام.
يمكن للإعلام أن يقوم بدور تربوي وتوعوي كبير، وأن يشرح للشباب مخاطر الهجرة غير النظامية، وأن يستضيف الخبراء والأسر والأخصائيين، وأن يفتح نقاشًا عموميًا حول الأسباب الحقيقية للظاهرة.
لكن الإعلام يحتاج بدوره إلى المعلومة الرسمية والشفافية والمعطيات الدقيقة.
فغياب المعلومات يترك المجال للشائعات ومقاطع الفيديو المضللة، وهي مشكلة برزت بوضوح مع الدعوات المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي لتنظيم محاولات عبور جديدة.
وأين الحكومة؟
من حق المواطن أن يسأل أيضًا:
أين كان الوزراء والقطاعات الحكومية المعنية أثناء هذه الأزمة؟
ليس المقصود أن يتخلى المسؤولون عن عطلتهم لمجرد أن أزمة وقعت، ولكن عندما تصل ظاهرة اجتماعية إلى هذا الحجم، يصبح الحضور المؤسساتي المباشر ضرورة سياسية وأخلاقية.
المواطن يريد أن يرى مسؤولين في الميدان.
يريد أن يرى لجانًا حكومية.
يريد أن يرى خبراء.
يريد أن يسمع خطة واضحة.
يريد أن يعرف: ماذا حدث؟ لماذا حدث؟ وما الذي ستفعله الدولة حتى لا يتكرر؟
أما أن تصدر التصريحات من مكاتب بعيدة عن مكان الأزمة، أو أن يظل المواطن لا يرى سوى المقاربة الأمنية، فهذا لا يكفي لإعادة الثقة.
الجمعيات: البيانات لا تكفي
وإذا كانت الدولة مطالبة بالمراجعة، فإن المجتمع المدني مطالب كذلك بمراجعة أدائه.
أين الجمعيات المتخصصة في الطفولة؟
أين الجمعيات العاملة في مجال الهجرة؟
أين المنظمات الحقوقية؟
أين الجمعيات التي تتحدث عن حماية الطفل؟
أين المتخصصون في المواكبة النفسية والاجتماعية؟
لقد رأينا بيانات ومواقف وتصريحات، لكن السؤال الحقيقي هو:
كم جمعية كانت موجودة فعليًا في الميدان؟
كم أخصائيًا نفسيًا تحدث مع طفل عاد من محاولة العبور؟
كم مساعدًا اجتماعيًا رافق أسرة؟
كم جمعية وفرت وجبة أو ملابس أو فحصًا طبيًا أو دعمًا نفسيًا؟
إن المجتمع المدني لا ينبغي أن يكون حاضرًا فقط في المؤتمرات والندوات ووقت إصدار البيانات.
المجتمع المدني الحقيقي يُختبر في الميدان.
هذه ليست المرة الأولى
والأخطر أن ما حدث لا يمكن اعتباره حادثًا عابرًا.
فنحن أمام ارتدادات موجات متكررة من الهجرة الجماعية، الأمر الذي يجعل السؤال أكثر إلحاحًا:
ماذا تعلمنا من الموجات السابقة؟
إذا كانت الظاهرة تتكرر، فلماذا لا توجد خطة وطنية استباقية؟
لماذا لا توجد منظومة إنذار مبكر؟
لماذا لا تتم دراسة المؤشرات الاجتماعية والنفسية التي تسبق موجات الهجرة الجماعية؟
ولماذا لا تكون هناك فرق ميدانية قادرة على التدخل قبل وصول الأطفال والشباب إلى مرحلة المخاطرة بحياتهم؟
إن معالجة النتائج دون معالجة الأسباب ستجعلنا ننتظر الموجة المقبلة.
لا نريد فقط منع الهجرة… نريد منع أسبابها
من السهل أن نقول للشاب: لا تهاجر.
ومن السهل أن نضع الحواجز ونرفع عدد الدوريات.
لكن السؤال الأصعب هو:
ماذا سنقدم له في المقابل؟
إذا أردنا إقناع طفل بالعودة إلى مدرسته، فعلينا أن نجعل المدرسة مكانًا جدابا يمنحه الأمل.
وإذا أردنا إقناع شاب بالبقاء، فعلينا أن نوفر له فرصًا حقيقية للتكوين والعمل.
وإذا أردنا حماية الأسرة، فعلينا أن نواجه الفقر والهشاشة والتهميش.
وإذا أردنا حماية الأطفال، فعلينا أن نضع مصلحتهم الفضلى في قلب كل السياسات العمومية.
من المقاربة الأمنية إلى المقاربة الوطنية الشاملة الدامجة .
الأمن ضروري، ولا يمكن لأي دولة أن تتخلى عن حماية حدودها أو منع الاتجار بالبشر وشبكات التهريب واستغلال الأطفال.
لكن الأمن وحده لا يصنع سياسة للهجرة، ولا يعالج اليأس، ولا يبني الثقة، ولا يحمي الطفل من الإحباط.
نحن بحاجة إلى مقاربة جديدة تقوم على خمسة محاور:
أولًا: حماية الأرواح ومنع المخاطر المميتة.
ثانيًا: حماية الأطفال والقاصرين باعتبارهم فئة ذات أولوية.
ثالثًا: مواكبة نفسية واجتماعية وتربوية للعائدين.
رابعًا: تعبئة الإعلام والمجتمع المدني والخبراء في عملية التوعية والوقاية.
خامسًا: فتح ورش وطني حقيقي لدراسة الأسباب العميقة للهجرة الجماعية، بدل انتظار كل موجة جديدة ثم التعامل معها أمنيًا.
وفي النهاية… سؤال أكبر من سبتة ومليلية
سبتة ومليلية ليستا المشكلة الوحيدة.
المشكلة الحقيقية هي ذلك الشعور الذي يتسلل إلى عقل الطفل والشاب بأن الحياة الأفضل توجد في مكان آخر.
وحين يصبح الوطن في مخيلة بعض أبنائه مكانًا يريدون الهروب منه، فهذه ليست مشكلة حدود فقط بل تصبح مشكلة وجود .
إنها رسالة اجتماعية وسياسية وتربوية عميقة ينبغي أن نقرأها بجدية.
لا نريد أن نرى أطفالنا يموتون في البحر.
ولا نريد أن نراهم عالقين خلف سياج.
ولا نريد أن تتحول صورهم إلى مادة إعلامية عابرة.
نريد أن نرى الدولة حاضرة.
والحكومة حاضرة.
والمدرسة حاضرة.
والأسرة حاضرة.
والإعلام حاضرًا.
والجمعيات حاضرة.
والأخصائي النفسي والاجتماعي حاضرًا.
نريد خطة وطنية لحماية أطفالنا وشبابنا من الهجرة اليائسة، لا خطة مؤقتة لمنعهم من الوصول إلى الحدود.
فالسؤال الحقيقي ليس:
كيف نمنعهم من الوصول إلى سبتة ومليلية؟
بل:
لماذا أصبحوا يريدون الوصول إليهما أصلًا؟
وهذا السؤال، قبل غيره، هو الذي يستحق أن تجيب عنه الدولة والمجتمع.


