تتجه المنافسة على رخص تشغيل عدد من الخطوط البحرية الرابطة بين المغرب وإسبانيا إلى احتدام لافت، بعدما استقطبت طلبات العروض التي أطلقتها السلطات المغربية اهتمام شركات ملاحة دولية كبرى، في سياق يشهد تناميا متواصلا لحركة المسافرين والبضائع عبر مضيق جبل طارق، بالتزامن مع الاستعدادات لتنظيم كأس العالم 2030.
ويتعلق الأمر بطلبَي عروض لتجديد تراخيص استغلال خطي الجزيرة الخضراء-طنجة المتوسط وطريفة-طنجة المدينة، وهما من أبرز المسارات البحرية التي تؤمن الربط بين الضفتين المغربية والإسبانية.
وبحسب معطيات أوردتها منصة «AXSMarine» المتخصصة في الشؤون البحرية، فقد بلغ طلب العرض الخاص بخط الجزيرة الخضراء-طنجة المتوسط مرحلته الثانية، بعدما جرى اختيار ثلاث شركات لمواصلة المنافسة، من بينها «لا ميريديونال» التابعة لمجموعة الشحن الفرنسية العملاقة «CMA CGM».
وتتوفر الشركة الفرنسية على حضور سابق في السوق المغربية، إذ تؤمن رحلات بحرية تربط ميناء مرسيليا الفرنسي بميناء طنجة المتوسط، إلى جانب أنشطة أخرى ضمن السوق الأوروبية.
ويأتي هذا التنافس في وقت يضم فيه خط الجزيرة الخضراء-طنجة المتوسط مجموعة من أبرز الفاعلين في النقل البحري، من بينهم «أفريكا موروكو لينك» و«بالياريا» و«أرماس تراسميديتيرانيا» و«DFDS»، فيما تنتظر الأخيرة استكمال المساطر المرتبطة باستحواذها على جزء من أنشطة «أرماس» في إسبانيا.
وكانت شركة «إنترشيبينغ» المغربية قد غادرت هذا الخط سنة 2023، بعد مواجهتها صعوبات مالية، ما فتح المجال أمام إعادة ترتيب المشهد التنافسي على أحد أكثر خطوط مضيق جبل طارق نشاطاً.
منافسة على خط طريفة-طنجة المدينة
ولا تقل المنافسة أهمية بالنسبة لطلب العرض الثاني، الذي يهم الرخصة المغربية لتشغيل أحد مراسي خط طريفة-طنجة المدينة، الذي تتولى تشغيله حاليا شركة «أفريكا موروكو لينك»، بعدما حلت سنة 2024 محل «إنترشيبينغ».
وتحظى الرخصة باهتمام عدد من كبار الفاعلين الدوليين، خاصة أن شركة «ستينا لاين» السويدية تمتلك 49 في المائة من رأسمال «أفريكا موروكو لينك».
كما تبرز «DFDS» الدنماركية ضمن الشركات التي قد تدخل غمار المنافسة، لاسيما بعد استحواذها مطلع سنة 2024 على شركة «FRS Iberia Maroc». غير أن مشاركتها في طلب العرض المغربي قد تفرض عليها البحث عن شريك محلي، في ظل اشتراط توفر الشركة المستغلة على أغلبية من الرأسمال المغربي.
وتكتسي هذه التراخيص أهمية استراتيجية متزايدة، بالنظر إلى التحولات المرتقبة في حركة النقل البحري بين المغرب وإسبانيا، خصوصاً مع اقتراب موعد كأس العالم 2030 الذي سيجمع المغرب وإسبانيا والبرتغال، وما ينتظر أن يرافقه من ارتفاع كبير في أعداد المسافرين والمركبات والبضائع العابرة لمضيق جبل طارق.
اتفاقية تضمن حصة لكل ضفة
وتخضع حركة النقل البحري بين المغرب وإسبانيا لإطار تعاقدي يعود إلى اتفاقية موقعة سنة 1979، تمنح كل طرف حق إنجاز ما لا يقل عن 40 في المائة من عمليات نقل المسافرين والبضائع، بما يضمن حضور شركات من الضفتين وتوزيع النشاط بصورة متوازنة.
وفي الوقت الذي يمكن فيه لشركات الاتحاد الأوروبي التقدم إلى الرخص المخصصة للجانب الإسباني، يعتمد المغرب مساراً مستقلاً لمنح تراخيصه، يبدأ بإبداء الشركات اهتمامها وفق دفتر تحملات، قبل انتقاء عدد من المتنافسين وفتح مفاوضات تفضي إلى تحديد القائمة النهائية.
ولم تكشف السلطات المغربية، إلى حدود الآن، بشكل كامل عن المعايير التقنية التي ستعتمدها في اختيار الشركات الفائزة، ولا عن مدى إمكانية إدراج شروط مرتبطة بتجديد الأسطول أو اعتماد سفن أقل تلويثا للبيئة، على غرار السفن الكهربائية التي اختارت شركة «بالياريا» تشغيلها على بعض الخطوط.
وفي المقابل، سيكون على الشركة التي ستفوز برخصة تشغيل خط طريفة-طنجة المدينة الالتزام باستخدام تجهيزات التزود بالكهرباء المتوفرة على الرصيف، بما يسمح بإطفاء محركات السفن أثناء فترة التوقف وتقليص الانبعاثات.
وتتزامن هذه التحركات المغربية مع خطة ميناء الجزيرة الخضراء لتحديث الأسطول العامل في مضيق جبل طارق، وإعادة تنظيم وتطوير نموذج تدبير الحركة البحرية بتنسيق مع الجانب المغربي.
وتستهدف الخطة، في أفق سنة 2030، رفع عدد مراسي سفن نقل الركاب والبضائع بالجزيرة الخضراء من ثمانية إلى عشرة، إلى جانب بلوغ نحو 7.5 ملايين مسافر و800 ألف مركبة صناعية سنويا.
وتعكس هذه المعطيات حجم التحول المنتظر في حركة النقل البحري عبر المضيق خلال السنوات المقبلة، في وقت تتحول فيه الخطوط الرابطة بين الموانئ المغربية والإسبانية إلى سوق استراتيجية تتنافس عليها شركات أوروبية ودولية كبرى، استعداداً لمرحلة يتوقع أن تعرف ارتفاعا غير مسبوق في حركة العبور مع حلول موعد مونديال 2030.


