حجز المنتخب الأرجنتيني بطاقة العبور إلى نهائي كأس العالم 2026 بعد انتصار دراماتيكي على إنجلترا بنتيجة 2-1 في نصف النهائي، في مباراة جسدت شخصية حامل اللقب وقدرته على العودة في أصعب الظروف. فبعد تأخره في النتيجة حتى الدقائق الأخيرة، قلب منتخب ليونيل سكالوني الطاولة بهدفين قاتلين، ليؤكد مرة أخرى أن الأبطال لا يستسلمون حتى صافرة النهاية.
دخل ليونيل سكالوني المباراة ببعض التعديلات، أبرزها الدفع بجوليانو سيميوني على الجناح، مستفيدا من سرعته الكبيرة وقدرته على القيام بالأدوار الدفاعية والهجومية، بينما اختار توماس توخيل إشراك مورغان روجرز لمنح المنتخب الإنجليزي حلولًا إضافية في التحولات السريعة.
شهدت الدقائق الأولى صراعا بدنيا شرسا في وسط الميدان، حيث احتدمت المواجهات بين إنزو فيرنانديز وكيرتس أندرسون، كما دارت معركة تكتيكية قوية بين لياندرو باريديس وجود بيلينغهام. ولم يحاول أي من المنتخبين المجازفة مبكرا، إذ انحصرت أول ربع ساعة في جس النبض ومحاولة فرض السيطرة على وسط الملعب.
ومع مرور الوقت، بدأت ملامح الخطة الأرجنتينية تتضح. فقد تراجع ليونيل ميسي إلى وسط الملعب للمشاركة في بناء اللعب وإرسال التمريرات الطويلة نحو الأطراف، بينما تحرك جوليانو سيميوني باستمرار على الجهة اليمنى لإرباك الدفاع الإنجليزي وخلق المساحات، خاصة مع الرقابة اللصيقة المفروضة على ميسي.
ظهرت الأرجنتين بإيقاع أسرع كثيرا مقارنة بمبارياتها السابقة، وبحيوية بدنية أربكت المنتخب الإنجليزي الذي بدا متأثرا بالمجهود الكبير الذي بذله في الأدوار السابقة. وفي الحالة الهجومية، تحول الرسم التكتيكي إلى 4-4-2، مع تقدم سيميوني إلى الخط الأمامي لمنح لاوتارو مارتينيز دعمًا إضافيًا.
في المقابل، عانى منتخب إنجلترا أمام الأسلوب اللاتيني الذي يعتمد على الصراعات البدنية وكثرة الالتحامات وإيقاف نسق اللعب بالأخطاء التكتيكية. هذا الأسلوب أفقد الإنجليز إيقاعهم، ودفعهم إلى التراجع أكثر نحو مناطقهم مع الاعتماد على المرتدات السريعة، مستفيدين من دقة تمريرات هاري كين وديكلان رايس.
وكان اندرسون يراقب تحركات ميسي باستمرار، لكن في الدقيقة 35 نجح قائد الأرجنتين في التخلص من الرقابة بانطلاقة مميزة راوغ خلالها لاعبين، ليجبر اندرسون على ارتكاب مخالفة استحق عليها بطاقة صفراء. هذا الإنذار حدّ من قوة تدخلاته في بقية اللقاء، خوفا من الطرد، ومنح ميسي مساحة أكبر للتحرك بين الخطوط.
انتهى الشوط الأول بعنوان واضح: صراع بدني ومعركة تكتيكية في وسط الملعب، مع أفضلية نسبية للأرجنتين في الاستحواذ والسيطرة على الكرة، مقابل انضباط إنجليزي وانتظار للفرصة المناسبة دون صناعة فرص حقيقية من الجانبين.
مع بداية الشوط الثاني، ظهر المنتخب الإنجليزي بصورة مختلفة، إذ رفع نسق الضغط وسعى إلى افتكاك الكرة بسرعة لضرب المساحات خلف دفاع الأرجنتين. وجاءت المكافأة في الدقيقة 55، عندما بدأ هاري كين الهجمة بتمريرة دقيقة، قبل أن تصل الكرة إلى أنتوني غوردون الذي أنهى الهجمة بنجاح، مانحا إنجلترا هدف التقدم.
هذا الهدف منح توماس توخيل السيناريو الذي كان يبحث عنه. فتراجع المنتخب الإنجليزي إلى مناطقه، واعتمد على الدفاع المنخفض وتقارب الخطوط، مع إغلاق العمق بالكامل أمام ميسي وإنزو فيرنانديز وماك أليستر، لإجبار الأرجنتين على اللجوء إلى الأطراف والعرضيات.
ومع هذا التكتل، اضطر ميسي إلى التراجع أكثر للمشاركة في بناء اللعب والهروب من الرقابة، بينما بدأت الأرجنتين تعتمد على الكرات العرضية. وكادت إحدى هذه المحاولات تمنح التعادل عندما مرر ميسي كرة رائعة إلى نيكولاس غونزاليس، إلا أن الحارس جوردان بيكفورد تدخل في الوقت المناسب وأنقذ مرماه.
ورغم استمرار الضغط الأرجنتيني، ظل الدفاع الإنجليزي صامدا، خاصة بعد اعتماد توخيل على قوة دان بيرن ونيكو أورايلي في التعامل مع الكرات الهوائية، معتقدًا أن الأرجنتين لن تجد طريقا آخر للوصول إلى المرمى.
لكن ما لم يحسب له المدرب الإنجليزي حسابا، أن الأرجنتين لا تعتمد فقط على العرضيات. ففي الدقيقة 85، أطلق إنزو فيرنانديز تسديدة صاروخية بعيدة المدى استقرت في الشباك، بعدما عجز بيكفورد عن رؤيتها بسبب كثافة اللاعبين أمامه، ليعيد المباراة إلى نقطة البداية ويشعل الدقائق الأخيرة.
ولم تكتف الأرجنتين بالتعادل، بل واصلت الضغط بكل خطوطها، مستغلة الارتباك الذي أصاب المنتخب الإنجليزي بعد فقدان تقدمه. وفي الدقيقة الثانية من الوقت بدل الضائع، أرسل ليونيل ميسي تمريرة ساحرة اخترقت الدفاع الإنجليزي، انفرد على إثرها لاوتارو مارتينيز بالحارس، ليضع الكرة في الشباك ويمنح الأرجنتين هدف الفوز القاتل، وسط فرحة هستيرية في المدرجات.
كشفت المباراة شخصية المنتخب الأرجنتيني الذي لم يفقد إيمانه بالعودة رغم تأخره حتى الدقائق الأخيرة، وواصل اللعب بنفس الجرأة والإصرار حتى نجح في قلب النتيجة. وفي المقابل، دفع المنتخب الإنجليزي ثمن المبالغة في الواقعية الدفاعية، إذ منح منافسه زمام المبادرة بالكامل بعد هدف التقدم، واكتفى بالدفاع عن النتيجة بدل البحث عن قتل المباراة بهدف ثانٍ.
ولمرة جديدة، أثبت ليونيل سكالوني أن منتخبه يمتلك شخصية البطل، القادر على تغيير مصير المباريات حتى في أصعب اللحظات، بينما سيدخل المنتخب الإنجليزي مرحلة من المراجعة بعد خسارة مؤلمة كان فيها على بعد دقائق قليلة من بلوغ نهائي كأس العالم، قبل أن تتبدد أحلامه أمام إصرار الأرجنتين وروحها القتالية.

