خرج محمد وهبي من ندوة صحفية التي أجريت اليوم في العاصمة الرباط بعد مشوار المنتخب المغربي في كأس العالم بنبرة امتزج فيها الحزن بالفخر، حزن طبيعي بعد توقف المشوار عند ربع نهائي كأس العالم، وفخر كبير بما قدمه المنتخب المغربي خلال البطولة. وفي كلماته، بدا واضحا أن المدرب لم يكن يتحدث فقط عن هزيمة في مباراة، بل عن مسار كامل وصل إلى محطة تاريخية، ثم اصطدم بأحد أقوى منتخبات العالم.
استهل وهبي حديثه بتوجيه الشكر إلى أعلى سلطة في البلاد، مؤكدا امتنانه لجلالة الملك محمد السادس على دعمه ورؤيته، ثم وجه التحية إلى الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، والطاقم الفني، واللاعبين وعائلاتهم، والجماهير المغربية التي ساندت المنتخب طوال مشواره في كأس العالم. وكان هذا المدخل بمثابة اعتراف صريح بأن ما تحقق لم يكن وليد لحظة عابرة، بل ثمرة منظومة كاملة وقفت خلف هذا الجيل.
وبخصوص الخروج من البطولة، أوضح وهبي أن المشوار انتهى عند ربع النهائي، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الطموح لم ينته، وأن هدف المنتخب كان الذهاب إلى أبعد نقطة ممكنة والمنافسة على اللقب. وفي نظره، فإن هذا الإقصاء لا يختصر قيمة ما أنجزه اللاعبون، بل يفتح بابا لمستقبل أكثر إشراقا للكرة المغربية.
وتوقف وهبي عند تفاصيل المواجهة أمام فرنسا، موضحا أن شيئا لم يتغير في فلسفة اللعب أو الخطة التكتيكية، وأن المنتخب خاض المباراة بنفس المبادئ التي لعب بها أمام البرازيل وهولندا.
لكنه اعترف بأن المنتخب افتقد هويته الكروية في بعض فترات اللقاء، وهو ما سمح لفرنسا بفرض جزء من شخصيتها في لحظات حاسمة.
كما أقر بأن الفريق ربما افتقد لبعض النضج والشخصية التي تسمح له بفرض أسلوبه وإعادة المباراة إلى النسق الذي يريده.
ومع ذلك، كان وهبي حاسما في نقطة أساسية: لم يشعر في أي لحظة بأن اللاعبين لم يقاتلوا أو لم يقدموا كل ما لديهم. بالنسبة له، لم يكن الإشكال في الروح أو الرغبة أو الالتزام، بل في تفاصيل أعلى من ذلك، في القدرة على ترسيخ هوية الفريق أمام منتخب يملك جودة فردية هائلة وخبرة كبيرة في مواعيد الحسم. لذلك تحمل المدرب المسؤولية الكاملة بصفته المسؤول الأول عن المنتخب الوطني، وأكد أنه بدأ بالفعل التفكير في المستقبل.
المدرب المغربي دعا أيضا إلى عدم اختزال عمل المنتخب في مباراة واحدة، معتبرا أن تقييم المسار يجب أن يكون شاملا.
وفي نظره، لا يمكن الحكم على المشروع من خلال نتيجة واحدة، لأن كرة القدم تبنى على التطور المستمر والعمل التراكمي، لا على لحظة واحدة مهما كانت مؤلمة. ومن هذا المنطلق، شدد على أن المنتخب المغربي أصبح يملك هوية واضحة تقوم على اللعب الهجومي، والمبادرة، وفرض الشخصية على المنافسين، وهو النهج الذي يسعى إلى ترسيخه داخل الفريق.
كما أوضح أن الهدف منذ البداية كان منح المنتخب نفسًا جديدا، وجعله أكثر جرأة ووفاء لهوية الكرة المغربية، وهو ما اعتبر أنه تحقق خلال أغلب مباريات البطولة.
وفي هذا السياق، رأى أن المشاركة الأخيرة أظهرت منتخبا أقرب إلى شخصيته الحقيقية، منتخبا لا يكتفي بالدفاع أو انتظار الخصم، بل يبحث عن المبادرة ويفرض نفسه في المباريات الكبرى.
وفي حديثه عن اختيار القائمة النهائية، كشف وهبي أن القرار لم يكن سهلا على الإطلاق، لأن الفارق بين اللاعبين الذين تم استدعاؤهم والذين بقوا خارج القائمة كان ضئيلا جدا. و أشار إلى أن من السهل دائما القول إن لاعبا معينا كان يجب أن يكون حاضرا، لكنه أكد أن الاختيارات لم تكن عشوائية، بل بنيت على المعطيات المتاحة، وعلى ما قدمه اللاعبون في المعسكرات، وعلى جاهزيتهم البدنية وخصائصهم الفنية.
ورفض وهبي أيضا فكرة البحث عن الأعذار المرتبطة بالإصابات أو الغيابات، معتبرا أن المنتخب لن يتطور إذا استمر في تبرير النتائج بدلا من العمل والتقدم. بالنسبة له، الإصابات جزء من كرة القدم، والفرق الكبرى لا تقاس بعدد الأعذار التي تملكها، بل بقدرتها على التكيف وتجاوز الظروف.
وفي جانب آخر من حديثه، كشف وهبي أنه راض جدا عن المجموعة الحالية، معتبرا أن اللاعبين بلغوا ربع نهائي كأس العالم وقدموا أداء تاريخيا وأسلوب لعب لم يسبق للمنتخب المغربي أن ظهر به بهذه الصورة.
كما أكد أن المنتخب يحتاج إلى لاعبين يكتسبون مزيدًا من الثبات والتأثير مع أنديتهم، لأن المشاركة المستمرة في أعلى المستويات تمنح اللاعب القدرة على الحفاظ على مستواه مع المنتخب الوطني.
وتحدث وهبي أيضا عن قوة المنتخب الفرنسي، واعتبر أن المغرب واجه أقوى منتخب في البطولة، مشيرا إلى أن فرنسا تمتلك جودة كبيرة وعمقًا في التشكيلة وإصرارا عاليا، وأن الفوز عليها لم يكن سهلا أبدا. لكنه أضاف أن المنتخب المغربي كان قادرا على جعل المباراة أكثر صعوبة على الفرنسيين، لو تمت الاستفادة من بعض التفاصيل بشكل أفضل.
وفي رسالة واضحة حول المستقبل، شدد المدرب على أن المنتخب يحتاج إلى خوض عدد أكبر من المباريات القوية، سواء مع المنتخب نفسه أو عبر مشاركة اللاعبين في دوري أبطال أوروبا، موضحا أن جميع المقومات موجودة، لكن الفريق يحتاج إلى الوقت، لأن أغلب العناصر ما زالت شابة ولم تكتسب بعد الخبرة الكافية لمثل هذه المواجهات الكبرى.
ولم يخل المؤتمر من الحديث عن الجهاز الفني، حيث نفى وهبي أن يكون صاحب القرار الوحيد في الجوانب التكتيكية، موضحا أن العمل داخل الجهاز يتم بروح جماعية، وأن كل فرد يساهم برأيه للوصول إلى أفضل الحلول.
كما نفى الشائعات التي تحدثت عن وجود خلافات داخل الطاقم، مؤكدا أن مساعديه يتمتعون بالكفاءة، وأن الجميع يعمل في أجواء جيدة ومنسجمة. وفي السياق نفسه، و نفى بشكل قاطع الأخبار التي تحدثت عن رحيل مساعده جواو ساكرامنتو، مؤكدا استمرار الطاقم التقني كما هو، وأن ما تم تداوله لا يعدو أن يكون مجرد شائعات.
وفي نهاية حديثه، خص وهبي الجماهير المغربية برسالة امتنان واضحة، مؤكدا أن اللاعبين يقاتلون دائما من أجل إسعادها وتحقيق تطلعاتها. وكشف كذلك عن الرسالة التي وجهها إلى لاعبيه بعد نهاية المباراة، داعيا إياهم إلى رفع رؤوسهم عاليا والافتخار بما قدموه، لأن بلوغ ربع نهائي كأس العالم إنجاز يستحق التقدير، ويجب أن يكون حافزًا لمواصلة العمل والتطور.
وهكذا، خرج وهبي من ندوته الصحفية ليس بخطاب تبريري، بل برسالة تحمل ملامح مشروع كروي يريد أن يكبر أكثر، ويطور هويته، ويستعد للاستحقاقات المقبلة بثبات أكبر، لأن ما حدث في كأس العالم 2026 بالنسبة له لم يكن نهاية الطريق، بل بداية مرحلة أكثر نضجا.

