لم يعد حضور النساء إلى المقاهي والفضاءات العمومية لمتابعة مباريات المنتخب المغربي يقتصر على حالات محدودة، بل أصبح مشهدا يتكرر بشكل متزايد خلال الاستحقاقات الكروية الكبرى، بما في ذلك بمدينة طنجة، حيث تشهد مقاه عديدة توافد نساء إلى جانب أسر مرفوقة بأطفالها لمتابعة مباريات “أسود الأطلس”، في تحول يطال أنماط متابعة كرة القدم خارج المنازل.
ويبرز هذا الحضور بشكل أوضح خلال المباريات الحاسمة، إذ تتجه فئات مختلفة من المشجعين إلى المقاهي التي تخصص شاشات كبيرة لنقل اللقاءات، بينما يختار آخرون متابعة المباريات في الفضاءات العمومية التي توفر بثا جماعيا.
وفي هذا المشهد، أصبح حضور النساء، سواء بشكل فردي أو ضمن مجموعات عائلية، أكثر وضوحا مقارنة بما كان عليه الأمر قبل سنوات؛ ويؤكد هذا الحضور المتواصل المشاهد التي رافقت مختلف مباريات المنتخب الوطني منذ انطلاق مشواره في منافسات كأس العالم 2026، بعدما سجلت المقاهي والفضاءات المخصصة للبث الجماعي إقبالا مهما للنساء والأسر، وهو مشهد سبق أن برز أيضا خلال عدد من المنافسات القارية والدولية التي خاضها “أسود الأطلس” في السنوات الأخيرة.
وفي مقابل هذا التغير، يستمر تداول نقاشات على منصات التواصل الاجتماعي وفي الفضاء العام بشأن خروج النساء إلى المقاهي لمتابعة مباريات كرة القدم، حيث تتباين المواقف بين مؤيد يعتبر الأمر امتدادا لتوسع الاهتمام الجماهيري بكرة القدم، ومتحفظ يرى أن هذه الفضاءات لا تزال تثير نقاشا حول طبيعة استخدامها وحدودها الاجتماعية.
وتزامنا مع هذا النقاش، تناولت دراسة علمية حديثة نشرتها مجلة Journal of Sport and Social Issues، وهي مجلة أكاديمية دولية متخصصة في قضايا الرياضة والمجتمع، هذا الموضوع من زاوية مختلفة، من خلال تحليل الخطاب المتداول داخل بعض الأوساط المرتبطة بثقافة تشجيع كرة القدم بالمغرب.
واعتمدت الدراسة، التي أعدتها الباحثة شيماء المنصوري، الباحثة في الدراسات الثقافية بجامعة ابن طفيل، إلى جانب مراد مكينسي، أستاذ الدراسات الأدبية والثقافية بالجامعة نفسها، على تحليل منشورات متداولة على موقع “فيسبوك” ولافتات رفعتها مجموعات من مشجعي كرة القدم، وذلك باستخدام منهج التحليل النقدي للخطاب، بهدف رصد الكيفية التي يُصاغ بها الحديث عن حضور النساء داخل فضاءات التشجيع.
وأشارت نتائج الدراسة إلى أن جزءا من الخطابات التي خضعت للتحليل يقدم كرة القدم باعتبارها فضاء يرتبط بالرجال، ويستخدم أوصافا وتعبيرات تصور النساء على أن وجودهن داخل الملاعب أو فضاءات التشجيع لا ينسجم مع الصورة التقليدية التي ترسخت لدى بعض الفئات حول جمهور كرة القدم.
كما رصد الباحثان أن بعض الخطابات توظف مفاهيم مرتبطة بالشرف والقرابة الأسرية، ولا سيما الإشارة إلى “الأخت”، في سياق تبادل الإهانات بين المشجعين، معتبرين أن هذا النوع من الخطاب يعكس تمثلات اجتماعية مرتبطة بالنوع الاجتماعي داخل جزء من ثقافة التشجيع، وفق ما خلصت إليه الدراسة.
وفي المقابل، يظهر الواقع الميداني في عدد من المدن، من بينها طنجة، اتساع حضور النساء في المقاهي والفضاءات المخصصة لبث مباريات المنتخب الوطني، حيث باتت بعض المقاهي تستقبل عائلات كاملة تضم نساء وأطفالا، خاصة خلال المباريات ذات المتابعة الجماهيرية الواسعة، وهو ما يعكس تغيرا في أنماط متابعة المنافسات الرياضية، بالتوازي مع استمرار النقاش حول حضور المرأة في فضاءات التشجيع.
ورغم أن الدراسة ركزت على تحليل مضامين خطابية متداولة داخل بعض الأوساط الجماهيرية، ولم تتناول قياس اتجاهات الرأي العام المغربي، فإنها سلطت الضوء على استمرار وجود خطابات متباينة بشأن حضور النساء في فضاءات كرة القدم، في وقت تشير فيه المشاهد الميدانية إلى تزايد مشاركة النساء والأسر في متابعة مباريات المنتخب داخل المقاهي والفضاءات العمومية.

