ندى الخليفي: صحافية متدربة
في تطور صحي أثار اهتمام منظمة الصحة العالمية، تحولت رحلة بحرية على متن سفينة “إم في هونديوس” إلى حالة طوارئ دولية، عقب رصد 11 حالة مشتبه بإصابتها بفيروس “هانتا” النادر إلى حد الآن، تأكدت 9 حالات منها مخبريا، وسُجلت من بينها ثلاث وفيات؛ مما دفع الخبراء لتدارس فرضية انتقال السلالة “الأنديزية” بين البشر.
وجاء ذلك بعدما أتمت السلطات الإسبانية عملية إجلاء الركاب بميناء تينيريفي بجزر الكناري، حيث تشق السفينة طريقها حاليا نحو الديار الهولندية.
ما هو فيروس هانتا ولماذا يثير القلق؟
أوضحت منظمة الصحة العالمية أن فيروسات “هانتا” لا تقتصر على مرض واحد، بل تشكل عائلة فيروسية تضم أكثر من 20 نوعا مختلفا.
وأفادت المنظمة بأن معظم هذه السلالات ترتبط بالعدوى المنقولة عبر القوارض، حيث تنتقل عادة من خلال استنشاق جزيئات بول الفئران أو فضلاتها الجافة في الأماكن المغلقة، فضلا عن إمكانية انتقالها عبر التعامل المباشر مع لحوم القوارض أو التعرض لعضاتها.
تكمن خطورة الفيروس وفق الصحة العالمية في قدرته على التسبب بمرضين خطيرين :
المتلازمة الرئوية (HPS): تبدأ بأعراض تشبه الإنفلونزا (حمى، إرهاق، آلام عضلية) ثم تتطور بسرعة إلى صعوبة تنفسية حادة، بنسبة وفيات تتراوح بين 20 و 40%
الحمى النزفية والمتلازمة الكلوية (HFRS): تؤدي إلى تلف الكلى، انخفاض ضغط الدم، ونزيف داخلي قد يصل إلى الفشل الكلوي
نقطة التحول: انتقال العدوى بين البشر؟
وأكدت منظمة الصحة العالمية أن ما يميز الحادثة الحالية هو وجود سلالة “الأنديز”، والتي تعد الاستثناء الوحيد بين فيروسات هانتا لقدرتها المحدودة على الانتقال من إنسان إلى آخر.
وأوضحت المنظمة أن هذا النوع نادر ويتطلب مخالطة طويلة وقريبة جدا لمصاب تظهر عليه الأعراض، ولا يشبه بأي حال من الأحوال سهولة انتشار كوفيد-19 أو الإنفلونزا.
ومن هذا المنطلق، سارع خبراء الصحة العالمية إلى طمأنة الجمهور، مع التأكيد على ضرورة التعامل بحذر مع الوضع المستجد. ففي تصريحات خاصة لبي بي سي، توضح الدكتورة ماريا فان كيرخوف، خبيرة أمراض الجهاز التنفسي في منظمة الصحة العالمية، أن الفارق جوهري بين هذا الفيروس وما عرفناه خلال الجائحة، قائلة: “نحن لا نتحدث عن اتصال عابر بين أشخاص متباعدين”. وانتقال فيروس هانتا يحتاج إلى مخالطة لصيقة ومطولة جداً مع شخص مصاب تظهر عليه الأعراض.
وتضيف فان كيرخوف أن الخطر الحقيقي لا يزال قابعا في مصدر العدوى الأساسي: القوارض، وتنصح بتركيز جهود الوقاية على إبعادها وفضلاتها عن أماكن السكن والعمل، خاصة في المناطق الريفية أو الأماكن المهجورة.
ما الذي يعنيه هذا بالنسبة للحالة الراهنة؟
أكدت السلطات الصحية أن رصد سلالة “الأنديز” على متن السفينة استوجب تفعيل بروتوكولات صارمة تماشيا مع توصيات منظمة الصحة العالمية؛ حيث شملت الإجراءات المنفذة فعليا عزل المصابين بشكل فوري، وتفعيل نظام تتبع المخالطين وإخضاعهم للمراقبة الطبية الدقيقة، مع تعميم تدابير التعقيم والنظافة العامة.
وفي سياق متصل، باشرت المختبرات إجراء فحوصات جينية إضافية لتحديد المصدر الدقيق لوصول الفيروس إلى السفينة وكشف ملابسات العدوى.
لكن هل يعني هذا أننا أمام وباء عالمي جديد؟ وهذا هو السؤال الذي يطرح حاليا في الأوساط الصحية الدولية؛ وفي رده على هذا الانشغال، أكد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، أن السيناريو الأسوأ المتمثل في انتشار واسع للفيروس يظل مستبعدا جدا.
وأوضح المسؤول الأممي مؤخرا أن آلية انتقال الفيروس معقدة وتتطلب ظروفا خاصة، مشددا على أن الفيروس لا يصنف ضمن الفيروسات التنفسية سريعة العدوى مثل الإنفلونزا، كما أن قدرته على التكاثر المجتمعي تظل ضعيفة جدا.
وخلص غيبريسوس إلى أن ما تم تسجيله يمثل “حالة طوارئ محلية” محصورة في نطاق السفينة، ولا تشكل بداية لجائحة عالمية؛ مبرزا أن الجهود تتركز حاليا على منع وصول الفيروس إلى القوارض البرية في الموانئ، وذلك لتفادي تشكل بؤر حيوانية جديدة قد تؤدي إلى توطن المرض.
كيف تحمي نفسك في غياب علاج أو لقاح؟
وفي سياق التفاعل الوطني مع هذه المستجدات الدولية، كانت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية المغربية قد عممت إنذارا صحيا تضمن مجموعة من التوجيهات الوقائية؛ حيث أكدت الوزارة أنه في ظل غياب علاج مباشر أو لقاح عالمي معتمد للفيروس حتى الآن، فإن مفتاح النجاة يكمن في سرعة التشخيص والتدخل الطبي المبكر، الذي قد يشمل تزويد المصابين بالأكسجين أو إخضاعهم للتنفس الصناعي وغسيل الكلى في الحالات المتقدمة.
وشددت الوزارة في إنذارها على أن الوقاية تظل خط الدفاع الأول، داعية إلى ضرورة اتباع الإجراءات التالية:
- تجنب الأماكن الموبوءة بالقوارض وفضلاتها، لاسيما الأقبية والحظائر المهجورة.
- الالتزام بارتداء القفازات والكمامات عند تنظيف أي مساحات يُحتمل وجود فضلات قوارض بها.
- الحرص على تهوية المساحات المغلقة جيدا ورشها بالمطهرات قبل استخدامها.
كما طمأنت السلطات الصحية المغربية الرأي العام والمسافرين، بناء على المعطيات العلمية المتوفرة، بأن خطر انتشار الفيروس عالميا لا يزال منخفضا جدا ولا يقارن بظروف جائحة كورونا؛ مؤكدة أن العدوى لا تنتقل عبر المصافحة أو الأسطح المشتركة، بل تقتصر خطورتها على التعرض المباشر لفضلات القوارض أو المخالطة المنزلية اللصيقة لمصاب بسلالة “الفيروس”

