غاب أحمد الزفزافي، والد ناصر الزفزافي، بعد رحلة طويلة مع المرض، تاركا خلفه سيرة امتزجت فيها الأبوة بالصبر، والصمت البسيط بالصوت العالي الذي دوى في المحاكم والندوات والساحات. رحيله يوم أمس يغلق صفحة رجل وُلد بعيدا عن الأضواء، لكنه غادر الدنيا وهو أحد أبرز الوجوه المرتبطة بحراك الريف.
وُلد أحمد الزفزافي سنة 1943 في مدشر “ازفزافن”، قبيلة آيت وياغر بإقليم الحسيمة شمال المغرب. نشأ في بيت جمع بين العلم والدين والمقاومة؛ فوالده كان فقيها معروفا، وجده لأمه، اليزيد نرحاج حمو، تقلد منصب وزير في حكومة محمد بن عبد الكريم الخطابي إبان ما يعرف ب “جمهورية الريف (1923-1926)”.
بدأ تعليمه الأولي في “المسيد”، حيث حفظ القرآن، ثم تابع دراسته الابتدائية بأجادير قرب الحسيمة، قبل أن ينال الشهادة الابتدائية سنة 1960 بمدينة شفشاون. انتقل بعدها إلى تطوان حيث تابع دراسته الثانوية ست سنوات، لكنه غادرها قبل نيل الباكالوريا، ليلتحق بسلك الوظيفة العمومية.
في عام 1966، عُين مقتصدا لدار الأطفال في الحسيمة، وبقي في منصبه إلى غاية تقاعده سنة 2007.
وفي سنة 1973، تزوج أحمد الزفزافي من زليخة سي حدو، حيث عاش حياة هادئة في الحسيمة، مكرسا وقته للعمل وأسرته.
أما في مرحلة شبابه ونضجه، التحق بحزب الاتحاد الاشتراكي، وكان ناشطا في فرع الحسيمة إلى جانب أساتذة ومحامين شكلوا نخبة المدينة حينها. لكن تجربته مع “حكومة التناوب” في نهاية التسعينيات جعلته يغادر الحزب، رافضا ما اعتبره “خيانة للآمال”. ومنذ ذلك الحين، ابتعد عن السياسة الحزبية نهائيا.
في 2017، اعتُقل نجله ناصر الزفزافي، أحد أبرز وجوه “حراك الريف”، وحُكم عليه بالسجن 20 سنة بتهمة “المساس بأمن الدولة”. كان ذلك المنعطف الأهم في حياة أحمد الزفزافي، حيث تحول الأب إلى أبرز المدافعين عن معتقلي الحراك، مؤمنا بعدالة قضيتهم وأنهم لم يطالبوا سوى بالعدالة المجالية، مثلهم مثل باقي المدن المغربية.
منذ ذلك التاريخ، صار وجهه مألوفا في المحاكم والندوات، وفي وسائل الإعلام. بملامح هادئة وصوت واثق وفق ما يصفها المقربين منه، حيث حمل مطالب المعتقلين، ودافع عن مشروعية مطالب الحراك داخل المغرب وخارجه.
لم يتوقف عن التنقل بين الحسيمة والدار البيضاء؛ مسافة 650 كيلومترا، لحضور المحاكمات، رغم سنه المتقدم ومعاناته الصحية.
بعد سنوات من التعب والنضال والانتقال بين المستشفيات، توفي أحمد الزفزافي اليوم، تاركا خلفه سيرة إنسان عادي صار استثناء. لم يكن زعيما ولا قائدا سياسيا بل كان مدافعا عن حق أبناء الريف في التنمية.
أحمد الزفزافي غادر إلى دار البقاء، وأصبح جزء من ذاكرة الريف الحديث.

